
تسجّل الحياة السياسية في لبنان مفارقة جديدة، بحلول الذكرى السنوية الأولى لاستقالة حكومة حسان دياب في 10 أغسطس/آب 2020، عقب أيام من انفجار مرفأ بيروت، ودخول البلاد أطول مرحلة تصريف أعمال نتيجة العجز عن تأليف حكومة جديدة.
وقد كُلف لأجل هذه الحكومة 3 رؤساء، هم مصطفى أديب وسعد الحريري اعتذرا تباعًا؛ وبعد أن شغل الأخير أطول مرحلة تكليف دامت نحو 9 أشهر، يبدو أن طريق خلفه الحالي نجيب ميقاتي إلى السراي الحكومي غير معبدة حتى الآن، وسط ضبابية تشي بصعوبة توافقه مع رئيس الجمهورية ميشال عون.
الانتظار الطويل
وفيما يدور اللبنانيون بحلقة مفرغة من الوقت الضائع، يختزل حسان دياب (62 عاما)، مجموعة من التناقضات، منذ دخوله مغامرة هي الأولى من نوعها في حياته السياسية.
فهو صاحب سيرة ذاتية غير حافلة بالمحطات بالسياسية، قبل رئاسته للحكومة، لكنها شائكة بالأحداث، وفي طليعتها أن عهده شهد على انفجار دامي للمرفأ، بعد نحو 9 أشهر من توليه لرئاسة الحكومة في 19 ديسمبر/كانون الأول 2019، بينما أطنان نيترات الأمونيوم التي تسببت بالانفجار خزّنت بالعنبر 12 نهاية 2013، وفق تقديرات رسمية.
وفي سيرة دياب، لم يحمل -إلى جانب رئاسة الحكومة- سوى حقيبة وزارة التربية والتعليم، بحكومة نجيب ميقاتي العام 2011، بعد أن انضم إلى الجامعة الأميركية ببيروت، منذ العام 1985، أستاذًا بمجال الهندسة، ثم شغل مناصب عدة بالجامعة.
ورغم أن دياب كلّف بعد استقالة حكومة الحريري في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2019 -نتيجة الضغط الشعبي في حراك يوم 17 من الشهر ذاته- لم يحظَ بحاضنة شعبية، واقتصر على دعم سياسي لم يدم أيضًا، من قبل الكتل البرلمانية التي توافقت على تسميته، وأبرزها حزب لله وحليفاه حركة أمل والتيار الوطني الحر (برئاسة جبران باسيل).
ودياب لم ينل أصوات ودعم نواب طائفته السنية، فارتضى أن يكون رئيسًا لحكومة اللون الواحد، وفق الصحفي والمحلل السياسي منير الربيع، “لأنها فرصته الوحيدة لتولي المنصب، فانتهزها”.
وهنا، يجد الباحث والمحلل السياسي جورج علم، أن حسان دياب ظاهرة فريدة بالعمل السياسي، كأستاذ جامعي شكل أملًا نسبيًا لكثيرين، فـ”واجه دكتاتوريات سياسية متأصلة بالنظام ومفاصل الدولة، ولو أعطي المجال للإنجاز أو لجم الانهيار، لفعل الكثير، بدل الاصطدام بحائط تلو الآخر”.
غير أن انفجار المرفأ جسد ضربة قاضية لحكومته -وفق علم- وأصبح من بعده رئيسًا مستدعى للاستماع إليه لدى المحقق العدلي، و”رئيسًا لحكومة تصّرف أعمال القوى السياسية وتدير نزاع بعضها مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة”.
تحديات كبرى
- وشكل دياب تحديًا لنفسه ولحكومته، بحسب حديث منير الربيع للجزيرة نت، انطلاقًا من عوامل عدة:
هجوم دياب على القوى السياسية التي سبق أن سهلت تشكيل حكومته، وخصومته للقوى الأخرى، فتكتلوا ضده، ردًا على تحميله لهم مسؤولية الانهيار المتسارع. - سوء علاقاته مع المجتمع الدولي، وتحديدا مع الأميركيين والفرنسيين.
- خسارة الرهان على دياب، لأن دعمه من قبل حزب الله وعون، أوحى للبعض أنها محاولة للتعبير عن انفتاح على الأميركيين، كأستاذ بالجامعة الأميركية، واختيار بعض الوزراء، إما يحملون الجنسية الأميركية أو سبق أن عملوا بمؤسسات أميركية.
سعد الحريري شغل أطول مرحلة تكليف لتشكيل حكومة دامت نحو 9 أشهر انتهت باعتذاره (الفرنسية)وسبق أن أعلنت حكومة دياب في مارس/آذار 2020، تخلفها عن سداد سندات يوروبوند (سندات خزينة صادرة بالدولار)، لأول مرة بتاريخ لبنان، وكانت تستوجب دفع نحو 1.2 مليار دولار.
وشكلت الخطوة منعطفًا سلبيًا، وفق الربيع، فـ “تحقق الكسر والفصل بين لبنان والوجهة التاريخية نحو الغرب والعلاقات مع المؤسسات والقطاعات المصرفية الدولية”.
لكن حكومة دياب قدمت أوراق اعتماد لصندوق النقد الدولي، وفق جورج علم، عبر اتخاذها إجراءات غير شعوبية، كرفع الدعم تدريجيًا عن استيراد السلع الأساسية الذي كان يوفره من خلالها المصرف المركزي.
وقال علم للجزيرة نت إن دياب ظُلم وإن موقف المجتمع الدولي أضعفه، فأقفلت الأبواب بوجهه، ولم يقم سوى بزيارة رسمية خارجية وحيدة لقطر في أبريل/نيسان 2021.
تضييق الصلاحيات؟
ومنذ استقالة حكومة دياب، لم تلتئم حكومته رسميًا، واقتصر حضوره على المثول بالجلسات الدورية لمجلس الدفاع الأعلى، التي يدعو إليها الرئيس عون بالقصر الجمهوري، ويحضرها دياب دستوريا كنائب للرئيس بالمجلس.
وقانونيًا، يوضح الخبير الدستوري بول مرقص للجزيرة نت، أن حكومة تصريف الأعمال لا تقوم بأعمال تحتمل التأجيل، أو منوطة بحكومة كاملة الصلاحية.
ورغم المعنى الضيق الذي جاء به اتفاق الطائف (1989)، وفق مرقص، فإن حكومة تصريف الأعمال، تقوم بالإدارة فحسب تسييرًا للمرافق العامة، “ما يسمح لها بالاجتماع، إذا اقتضت الضرورة الماسة، وسبق أن حصل ذلك قبل الطائف مع حكومة الرئيس الراحل رشيد كرامي، كما سبق أن اجتمعت حكومة ميقاتي بعد استقالتها عام 2013، وأقرت بعض المراسيم العاجلة”.
توازيًا، يعتبر علي مراد، الأكاديمي والمستشار القانوني في منظمة “كلنا إرادة” (منظمة مدنية سياسية)، أن حكومة دياب كانت لتصريف الأعمال منذ تشكيلها، بالمعنى السياسي العميق، قبل أن تصبح كذلك تقنيًا ودستوريًا، لأنها لا هي حكومة سياسية جامعة، ولا تمثل مطالب الناس، وتدير الأزمة من دون خطة إصلاحية، وتركت إدارة الملف المالي والاقتصادي للمصرف المركزي.
ولبنان تاريخيًا، بحسب حديث مراد للجزيرة نت، أسير ممارسات حكومية أشبه بتصريف الأعمال، مما أدى للانهيار الكبير دفعة واحدة، لتراكم تأجيل الحلول وانشغال القوى السياسية بصراعاتها داخل السلطة التنفيذية.
التنازع حول الصلاحيات الدستورية يعطل أي توافق بين عون وميقاتي حول تشكيل الحكومة (رويترز)أين الحكومة؟
يستبعد المحللون توافق عون وميقاتي، بسبب النزاع حول الصلاحيات الدستورية، وآلية توزيع الحقائب السيادية والخدماتية على الطوائف والأحزاب.
من جهة، يرى جورج علم أن القوى السياسية ارتضت تشريع البلاد للفوضى، مقابل الاستثمار بمعاناة اللبنانيين داخليًا وخارجيًا وعند الحدود الجنوبية مع إسرائيل، مما يجعل حكومة دياب مرشحة للبقاء حتى نهاية عهد عون منتصف 2022، وربما بعده.
ومن جهة أخرى، يعتبر علي مراد أن ميقاتي أسير التوازنات الطائفية والسياسية التي أتت به رئيسا مكلفا، وبالتالي سينتج بأحسن الأحوال، حكومة شبيهة بحكومة دياب لا خطة إنقاذية لها، والحل الوحيد، وفق مراد، تشكيل حكومة مستقلة انتقالية من خارج توازنات البرلمان.
ويربط منير الربيع المؤشرات السلبية، بأن عون ضمنيًا لم يكن موافقا على تكليف ميقاتي المدعوم من طائفته، والحالة الوحيدة التي ترضيه الحصول على الحصة الكبرى من الحكومة -وأولها حقيبة الداخلية- على قاعدة أنها ستقود الانتخابات النيابية، وقد تكون حكومة تصريف الأعمال لاحقًا، وتأخذ صلاحيات رئيس الجمهورية.
وبالتالي، “لا يمكن لعون الاستسلام أو تقديم تنازلات لا تضمن فرص سياسية لولي عهده صهره جبران باسيل”.
وهنا، يقف ميقاتي، بحسب الربيع، أمام خيارين، إما تقديم تنازلات لصالح شروط عون، أو الاعتذار.
ويتوقع الربيع أن تستمر حكومة دياب لفترة أطول من تصريف الأعمال، وربما لعام جديد، لأن استعصاء الداخل رهن الخارج، و”المنطقة تشهد تحولات كبرى، من دون أن يكون لبنان أولوية للقوى الكبرى، لكنه شديد التأثر بها”.
