Table of Contents
بينما يفضل السواد الأعظم من البشر استقبال العام الجديد تحت الأغطية الدافئة هرباً من لسعات الشتاء، يختار آخرون طريقاً معاكساً تماماً؛ طريقاً يبدأ بقفزة جريئة في أحضان المياه المتجمدة. هذا المشهد، الذي يتكرر سنوياً من شواطئ “كوني آيلاند” في نيويورك إلى بحيرات الدول الاسكندنافية، ليس مجرد طقس احتفالي للمغامرين، بل هو نافذة تفتح أمام العلماء لفهم أعمق لما يمكن أن يفعله البرد القارس بأجسادنا وأدمغتنا. إنها رحلة علمية تبدأ من صدمة الجلد الأولى وتنتهي بتغيرات خلوية عميقة قد تحمل مفاتيح لتعزيز المناعة والصحة النفسية.
ما وراء القشعريرة: حالة “الزن” الجليدية
قد يبدو الأمر ضرباً من الجنون للوهلة الأولى، لكن بالنسبة للي هيل، عالم فسيولوجيا التمارين الرياضية في جامعة ماكجيل بمونتريال، فإن الأمر يتجاوز مجرد التحدي الجسدي. يمتلك هيل تاريخاً طويلاً مع السباحة في المياه الباردة، حيث اعتاد السباحة لكيلومترات في مياه تقل حرارتها عن 10 درجات مئوية في موطنه جنوب إفريقيا. يصف هيل تلك التجربة بأنها تولد شعوراً لا يضاهى، قائلاً إن السباح يشعر بحالة من “الزن” (Zen) والهدوء العميق. في تلك اللحظات، يصبح الإنسان واعيًا بكل جزء من جسده وبأنفاسه فقط، وينسى كل ضجيج العالم الخارجي.

صراع البقاء: معركة فسيولوجية داخل الجسد
عندما يغوص الجسد فجأة في الماء المثلج، لا يحدث رد فعل واحد، بل تندلع حرب بين استجابتين فسيولوجيتين متناقضتين، كما يشرح جيمس ميرسر، الأستاذ الفخري في جامعة القطب الشمالي بالنرويج. الاستجابة الأولى تُعرف بـ “استجابة الغوص” (Diving Response)، وهي آلية تطورية تهدف للحفاظ على الأكسجين تحت الماء؛ حيث يتباطأ معدل ضربات القلب، ويتم توجيه تدفق الدم بعيداً عن الأطراف نحو الأعضاء الحيوية.
أما الاستجابة الثانية، فهي “استجابة صدمة البرد” (Cold Shock Response). وهنا يكمن التناقض الصارخ؛ إذ يرتفع معدل ضربات القلب وضغط الدم بشكل جنوني، ويبدأ الشخص في اللهاث بحثاً عن الهواء. يصف ميرسر هذا التضارب بأنه ضغط هائل على النظام الحيوي للجسم، أشبه بالضغط على دواسة الوقود والمكابح في آن واحد. ورغم أن هذا التوتر قد يبدو خطيراً، خاصة لغير المعتادين أو مرضى القلب، إلا أنه يمثل الآلية التي يبني الجسم من خلالها مرونته وقدرته على التحمل.
ترميم الخلايا وتعزيز المناعة
بعيداً عن صدمة اللحظات الأولى، تشير الأبحاث الحديثة إلى فوائد طويلة الأمد للتعرض المنتظم للماء البارد. في دراسة نشرت عام 2024 في دورية Advanced Biology، وجد الباحثون أن الشباب الذين خضعوا لغمر يومي في مياه تتراوح حرارتها بين 13 و15 درجة مئوية لمدة أسبوع، أظهروا تحسناً فسيولوجياً ملحوظاً. وتبين أن خلاياهم أصبحت أكثر كفاءة في عملية “الالتهام الذاتي” (Autophagy)، وهي عملية حيوية تقوم فيها الخلايا بتنظيف نفسها من المكونات التالفة أو القديمة، مما يساعد في الوقاية من الأمراض والحفاظ على الوظائف الخلوية.
ولا تقتصر الفوائد على التنظيف الخلوي، بل تمتد لتشمل الجهاز المناعي. تشير أبحاث أخرى إلى أن الغمر المنتظم في الماء البارد قد ينشط الجهاز المناعي، مما قد يؤدي إلى زيادة عدد كريات الدم البيضاء وتركيزات البروتينات المناعية في البلازما، مما يجعل الجسم أكثر استعداداً لمواجهة العدوى.
السباحة نحو السعادة: الأثر النفسي
يصعب على العلم أحياناً تحديد السبب الدقيق الذي يجعل السباحة في الماء البارد تجربة “قوية” نفسياً، كما يرى مارك ويذيريل، عالم النفس البيولوجي بجامعة نورثمبريا في إنجلترا. في دراسة صغيرة نشرها مؤخراً في دورية Lifestyle Medicine، وجد ويذيريل أن السباحين في الماء البارد يسجلون مستويات قلق أقل، وثقة بالنفس أعلى، ونوعية نوم أفضل في الأيام التي يمارسون فيها الغوص.
يعتقد ويذيريل أن الفائدة النفسية لا تنبع من آلية واحدة، بل من مزيج متكامل: برودة الماء، النشاط البدني، التواجد في الهواء الطلق، والدعم الاجتماعي الناتج عن السباحة في مجموعات. يضاف إلى ذلك دفعة الأدرالين والشعور بالإنجاز الناتج عن القيام بشيء جامح وغير مألوف. ومع ذلك، يؤكد الخبراء ضرورة الحذر؛ فالأمر لا يخلو من مخاطر مثل انخفاض حرارة الجسم، وينصحون دائماً بعدم السباحة وحيداً والتدرج في التعرض للبرودة.