ديميتار بيشيف* – (أحوال تركية) 19/3/2020

سوف يدخل 2020 التاريخ باعتباره عام فيروس كورونا المستجد. تماماً مثل العام 2001 الذي شهد هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) على الولايات المتحدة، والعام 2008 الذي شهد الأزمة المالية العالمية. وبالنسبة لتركيا والمجتمع الدولي الأسمع، قد يحمل الماضي القريب بعض الدروس المستفادة.

على مدى الأسابيع القليلة الماضية، شرعت دول حول العالم، من فرنسا إلى الولايات المتحدة إلى تركيا، في اتباع مجموعة الإجراءات نفسها تقريباً. فقد أمرت بإغلاق شامل وأغلقت الأماكن العامة، بما في ذلك المطاعم والحانات والمقاهي والمدارس والجامعات، وفرضت قيوداً صارمة على السفر بلغت إلى حد إغلاق الحدود الوطنية.

وتستعد المستشفيات والمرافق الطبية الأخرى للتعامل مع موجة من الحالات الحادة، على أمل أن تتجنب السيناريو الكابوسي الذي نشهده في إيطاليا. ويبدو أن العالم المترابط الذي اعتبرنا اتصاله أمراً مسلماً به يتداعى أمام أعيننا.

عندما يقول القادة “نحن جميعاً في هذا الأمر معاً”، فإنهم يتحدثون إلى ناخبيهم في الداخل بدلاً من الجمهور في مختلف أنحاء العالم، ناهيك عن حقيقة التهديد الذي تقدره الحكومات. فقد انتشر هذا الفيروس الجديد بسرعة من مدينة في الصين إلى جميع أنحاء الكوكب تقريبا، وهو بطبيعته عابر للحدود. والجميع يدافعون الآن عن أنفسهم أمام هذا الوباء.

لكن مثل هذه الاستراتيجية ستُظهر محدوديتها قريباً وستكون العواقب الاقتصادية بالغة. فنحن على مشارف ركود عالمي قد ينافس حتى الركود الذي حدث في العامين 2008 و2009. وستؤدي عمليات الإغلاق في الصين وأوروبا والولايات المتحدة؛ أهم ثلاثة أسواق حول العالم، إلى خسائر فادحة في النمو هذا العام. وقد خفض بنك “غولدمان ساكس” توقعاته للنمو في منطقة اليورو من 1 إلى 1.7 في المائة. وبحسب البنك، سيتقلص الناتج الإجمالي في إيطاليا بنسبة 3.4 في المائة وفي ألمانيا بنسبة 1.9 في المائة وفي فرنسا بنسبة 0.9 في المائة. وقد يبقى الاقتصاد الأميركي في المنطقة الإيجابية بمعدل نمو 0.4 في المائة. وسينمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين بنسبة ثلاثة في المائة، وهذا نمو منخفض بمعايير الصين.

لا عجب إذن حكومة بعد أخرى سارعت في الأيام القليلة الماضية إلى الكشف عن إجراءات التحفيز للحفاظ على صمود اقتصاداتها وطمأنة المستثمرين وعموم المواطنين.

لكن عمليات التحفيز المالي على المستوى الوطني قد لا تكون كافية في معالجة التهديد الذي يلوح في الأفق. وقد تنشر التجارة الدولية والأسواق المالية المترابطة العدوى بسرعة تشبه السفر عبر الحدود الذي يساعد على نقل الفيروس من بلد إلى آخر. وسيكون الرد المنسق أفضل من مجموعة من السياسات التي تضع المصلحة المحلية في الاعتبار.

بعد أزمة العام 2008، اجتمع قادة العالم معاً من أجل استعادة التعافي إلى الأسواق. ومن رحم الأزمة، ولدت مجموعة العشرين، وهي منتدى دولي يجمع بين القوى الغربية الرئيسة والاقتصادات الناشئة، بما في ذلك تركيا. ولكن، في ذلك الوقت، على عكس الوضع الآن، تمتعت الولايات المتحدة والصين بعلاقة تعاون شاملة. ولم يكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حاضراً في ذلك الحين، وهو الذي يخوض المعارك الآن مع الاتحاد الأوروبي ويتهمه بسرقة أميركا. وتبدو آفاق التعاون الدولي للتعامل مع الأزمة الجديدة غامضة.

وهذه أخبار سيئة بالنسبة لتركيا. أولاً، تعتمد تركيا على التجارة الخارجية، لا سيما الأسواق المالية العالمية. ثانياً، ليست أسسها الاقتصادية في حالة جيدة، حتى لو كانت الحكومة تعتقد أن أزمة العملة التي اندلعت في العام 2018 قد تم التغلب عليها. وكما كتب الخبير الاقتصادي مارك بنتلي في تعليق، ما تزال الليرة التركية عرضة للصدمات الخارجية، في حين أن السلطات غير مستعدة بشكل تقليدي لرفع أسعار الفائدة (فلنتذكر عداء الرئيس رجب طيب أردوغان لأسعار الفائدة المرتفعة).

إن تراجع الطلب من الاتحاد الأوروبي -أكبر شريك تجاري لتركيا- إلى جانب الضغط على الليرة بقيادة المستثمرين الدوليين وعموم المواطنين ليس سيناريو بعيد المنال. ويبدو أن الحكومة مدركة تماماً للمشاكل المقبلة. فقد أعلن أردوغان للتو عن حزمة بقيمة 100 مليار ليرة (15.4 مليار دولار) لتحفيز الاقتصاد الذي تهدده تداعيات أزمة فيروس كورونا المستجد. وقد لا يكون هذا كافياً، فقد تجد تركيا قريباً أنها تفتقر إلى القوة اللازمة لتجنب الانزلاق إلى الركود مثل دول منطقة اليورو. ويعتمد الكثير بالطبع على شدة جائحة فيروس كورونا ومدى فعالية النظام الصحي في احتواء المرض.

لكن توقعات تركيا لنمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3 في المائة من غير المرجح أن تتحقق. ولن تعود تركيا إلى لانتعاش أيضاً كما فعلت في العام 2010، عندما نما اقتصادها بنسبة 8.5 في المائة بفضل تدفق الاستثمارات الأجنبية. وسوف يُجبر أردوغان على الأرجح على طرق باب صندوق النقد الدولي للحصول على حزمة إنقاذ، حتى في أسوأ الحالات. ومع ذلك، سوف يفعل حسناً إذا تواصل مع أوروبا والولايات المتحدة، بالإضافة إلى الدعوة إلى إعادة مجموعة العشرين إلى الحياة. وسوف تتطلب أي مشكلة عالمية حلولاً عالمية.

*عضو في مركز يورواسيا في مجلس الأطلسي، متخصص بالشأن الروسي والتركي.