Table of Contents
قد تحتفل بعيد ميلادك الخامس والأربعين، وتبدو في ظاهرك شاباً مفعماً بالحيوية، بينما تشير ساعتك البيولوجية الخفية إلى حقيقة مغايرة تماماً: كليتاك قد تجاوزتا الستين عاماً، وقلبك يئن تحت وطأة شيخوخة سابقة لأوانها. هذه ليست حبكة لرواية خيال علمي، بل هي الواقع البيولوجي المعقد الذي كشفت عنه أحدث الأبحاث الطبية، والتي تؤكد أن الجسد لا يشيخ ككتلة واحدة متجانسة، بل كأرخبيل من الجزر المنفصلة، لكل منها توقيتها الخاص ومسارها المستقل نحو الهرم.
ساعات بيولوجية متعددة في جسد واحد
لطالما اعتبرنا العمر مجرد رقم مدوّن في شهادة الميلاد، لكن دراسة حديثة نشرت في دورية “نيتشر ميديسين” (Nature Medicine) قلبت هذه الموازين، كاشفة أن أعضاءنا الداخلية تمتلك “أعياد ميلاد” خاصة بها قد تسبق عمرنا الزمني بسنوات أو تتأخر عنه. اعتمد الفريق البحثي في هذه الدراسة الرائدة على تحليل بيانات ما يقارب 45 ألف شخص، مستخدمين تقنيات متطورة لفحص دماء المشاركين وتحديد العمر البيولوجي لإحدى عشر عضوًا رئيسيًا في الجسم.
الفكرة الجوهرية التي انطلق منها باحثو جامعة ستانفورد، وعلى رأسهم هاميلتون أوه وطوني ويس-كوراي، هي أن البروتينات التي تسبح في دمائنا ليست مجرد جزيئات عشوائية، بل هي رسائل مشفرة. فبعض هذه البروتينات ينشأ حصرياً في الكبد، والبعض الآخر يأتي من القلب أو الرئتين. ومن خلال تتبع هذه البصمات البروتينية، تمكن العلماء من بناء صورة دقيقة لحالة كل عضو على حدة، وكيف يصمد أمام عواصف الزمن.
فجوة العمر: عندما يسبق العضو صاحبه
استند الباحثون إلى قاعدة بيانات “البنك الحيوي في المملكة المتحدة” (UK Biobank)، والتي تتبعت الحالة الصحية لآلاف الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 40 و70 عاماً لفترة وصلت إلى 17 سنة. قام الفريق بتحديد “التوقيع البروتيني” المتوسط لكل مرحلة عمرية؛ فحددوا مثلاً كيف يبدو شكل بروتينات كبد شخص في الأربعين مقارنة بآخر في السبعين.
ومن خلال هذه المقارنات، حسب العلماء ما أسموه “فجوة العمر” لكل عضو. وكانت النتائج مثيرة للقلق بالنسبة للبعض؛ فقد وجدوا أن شخصاً واحداً تقريباً من بين كل ثلاثة أشخاص يمتلك عضواً واحداً على الأقل يشيخ بمعدل متسارع مقارنة ببقية الجسد. واصطلح الباحثون على تسمية الأعضاء التي تقع في أدنى المؤشرات الحيوية بأنها “شديدة الشيخوخة”، بينما تلك التي تحافظ على حيويتها في أعلى المؤشرات وُصفت بـ “شديدة الشباب”.
الدماغ والقلب.. مؤشرات الحياة والموت
لم يكن تحديد عمر العضو مجرد تمرين أكاديمي، بل ارتبط بشكل مباشر ومخيف بمخاطر الإصابة بالأمراض. فقد وجد الفريق أن العضو الذي يعاني من شيخوخة مفرطة يحمل لصاحبه احتمالات أعلى بكثير للإصابة بأمراض مرتبطة بذلك العضو تحديداً:
- القلب الهرم: ارتبط بزيادة ملحوظة في خطر الإصابة بقصور القلب والرجفان الأذيني.
- الرئتان المسنّتان: كانتا نذيراً بزيادة خطر الإصابة بمرض الانسداد الرئوي المزمن.
لكن التأثير الأكثر دراماتيكية ظهر عند فحص الدماغ. فالأشخاص الذين امتلكوا أدمغة مصنفة كـ “شديدة الشيخوخة” كانوا أكثر عرضة بثلاث مرات للإصابة بمرض ألزهايمر مقارنة بغيرهم. والمثير للدهشة أن هذه النسبة ظلت ثابتة بغض النظر عما إذا كان الشخص يحمل الجين (APOE) المعروف بأنه عامل الخطر الوراثي الأقوى للمرض، مما يشير إلى أن بروتينات الدم قد تكون مؤشراً مستقلاً وأكثر دقة في بعض الأحيان.
بارقة أمل: الشيخوخة ليست قدراً محتوماً
رغم قتامة الصورة التي قد يوحي بها امتلاك أعضاء هرمة، إلا أن الدراسة حملت في طياتها أخباراً مبشرة. يشير هاميلتون أوه، الذي يعمل حالياً في كلية إيكان للطب في ماونت سيناي، إلى أن المعادلة تعمل في الاتجاه المعاكس أيضاً. فامتلاك دماغ “شديد الشباب” ارتبط بانخفاض خطر الوفاة بنسبة 40% على مدى 15 عاماً. وعندما يجتمع دماغ شاب مع جهاز مناعي فتيّ، ينخفض خطر الوفاة بنسبة مذهلة تصل إلى 56%.
والأهم من ذلك، أن عمر أعضائنا ليس قدراً ثابتاً لا يمكن تغييره. تؤكد البيانات أن نمط الحياة يلعب دوراً محورياً في تسريع أو إبطاء هذه الساعة البيولوجية. التدخين، وشرب الكحول، وتناول اللحوم المصنعة، كلها عوامل تضغط بقوة على دواسة بنزين الشيخوخة. في المقابل، أظهرت الدراسة أن ممارسة الرياضة بانتظام وتناول الأسماك الغنية بالزيوت يساهمان في الحفاظ على شباب الأعضاء.
ومع ذلك، يدعو الخبراء، مثل كاليب فينش من جامعة جنوب كاليفورنيا، إلى توخي الحذر عند تعميم النتائج، مشيراً إلى أن الدراسة قد تكون أغفلت عوامل اقتصادية واجتماعية مؤثرة، نظراً لأن معظم المشاركين في البيانات البريطانية كانوا من أصول أوروبية، مما يستدعي مزيداً من البحث لضبط هذه المقاييس لتناسب خلفيات عرقية وبيئية متنوعة. في النهاية، قد لا نتمكن من إيقاف عقارب الزمن كلياً، لكن العلم يمنحنا الآن الأدوات لنقرأ توقيت أجسادنا بشكل أفضل، وربما نمنح قلوبنا وعقولنا بضع سنوات إضافية من الشباب.