Table of Contents
تحت ضوء النار الراقص قبل 12 ألف عام، ربما أمسك أحد الأجداد بقطعة طينية صغيرة ليروي حكاية غريبة ومختلفة عما اعتادته الآذان في ذلك الزمان. لم تكن قصة عن مطاردة فريسة أو صراع من أجل البقاء، بل كانت تجسيداً لرابطة روحية غامضة جمعت بين امرأة وإوزة في عناق أبدي. هذه القطعة الصغيرة، التي اكتشفها علماء الآثار مؤخراً، لا تمثل مجرد عمل فني قديم، بل قد تكون الدليل المادي الأول على اللحظة التي بدأ فيها البشر بسرد الأساطير المعقدة حول علاقتهم بالكائنات الأخرى.
سر القطعة الطينية في وادي الأردن
في موقع أثري يُعرف بـ “ناحال عين جيف 2” (Nahal Ein Gev II) بالقرب من بحيرة طبريا، استخرج الباحثون كسرات طينية صغيرة بدت للوهلة الأولى غير ذات أهمية. ولكن، بعد تجميع هذه الأجزاء الثلاثة بدقة متناهية، ظهر أمام أعينهم تمثال مصغر يسهل حمله في راحة اليد، يعود تاريخه إلى الحقبة النطوفية (ما بين 15,000 و11,500 عام مضت).

يشير لوران دافين، عالم الآثار في الجامعة العبرية بالقدس، وفريقه البحثي في دراستهم المنشورة بتاريخ 17 نوفمبر في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences، إلى أن هذا التمثال يمثل نقطة تحول مفصلية. إنه أقدم تمثال معروف يصور تفاعلاً مباشراً وحميمياً بين إنسان وحيوان، متجاوزاً مشاهد الصيد التقليدية التي هيمنت على الفن القديم لآلاف السنين.
مشهد أسطوري يتحدى التفسير التقليدي
عند النظر بتمعن إلى التمثال، تتكشف تفاصيل مذهلة رغم صغر حجمه وبساطته الظاهرية. يُظهر العمل الفني إوزة جاثمة على ظهر امرأة؛ حيث يحيط جناحا الطائر بالجزء العلوي من جسد المرأة في حركة تشبه العناق، بينما يستقر رأس الإوزة ومنقارها بوداعة بجانب وجهها.

يعتقد فريق دافين أن هذا المشهد لا يصور واقعة عادية، بل يجسد مشهداً أسطورياً أو تخيلياً، ربما يشير إلى تزاوج رمزي بين إوزة ذكر وامرأة بشرية. هذا النوع من المعتقدات التي تربط البشر بالحيوانات روحياً، وتصور كائنات هجينة أو علاقات عابرة للأنواع، كان يُعتقد سابقاً أنها ظهرت لاحقاً مع استقرار المجتمعات الزراعية قبل حوالي 9000 عام. لكن هذا الاكتشاف يقلب الجدول الزمني، مثبتاً أن النطوفيين – الذين عاشوا حياة استقرار في قرى دائمة لكنهم اعتمدوا على الصيد وجمع الثمار البرية ولم يمارسوا الزراعة بعد – قد طوروا هذه المفاهيم المعقدة في وقت أبكر بكثير.
السينما الحجرية: تقنيات عرض بدائية
لم يكن صانع هذا التمثال مجرد نحات، بل كان مخرجاً يدرك تأثير الضوء والظل. يوضح الباحثون أن طريقة نحت التمثال تشير إلى أنه صُمم ليتم تدويره والنظر إليه من زوايا محددة، ويفضل أن يكون ذلك تحت إضاءة متغيرة مثل ضوء النار. في تلك الأجواء، كانت الظلال المتحركة تمنح التمثال حياة، مما يخلق وهماً بحركة ثلاثية الأبعاد للتفاعل بين المرأة والطائر.

يرجح دافين أن هذا التمثال ربما استُخدم من قبل “شامان” (وسيط روحي) أو متخصص في الطقوس لإثارة رؤى غيبية أو سرد قصص مقدسة حول النار. وما يعزز هذه الفرضية هو العثور سابقاً على قبر لشامان من العصر النطوفي في كهف قريب من موقع الاكتشاف، مما يؤكد وجود ممارسات طقوسية معقدة في تلك المنطقة.
بين الصيد والروحانية
بينما توجد أمثلة أقدم لفن الكهوف تظهر تفاعلات بين البشر والحيوانات، مثل مشهد الصيد المكتشف في إندونيسيا والذي يعود لنحو 44 ألف عام، فإن التمثال الطيني الجديد يفتح باباً مختلفاً تماماً. إنه لا يوثق صراعاً من أجل الغذاء، بل يوثق علاقة عاطفية أو وجودية. هذا الانتقال من رسم الحيوان كـ “فريسة” إلى تجسيده كـ “شريك” أو “رمز روحي” يعكس نضجاً في الوعي البشري وتطوراً في أساليب السرد القصصي، ممهداً الطريق للأساطير الكبرى التي ستشكل حضارات العالم القديم لاحقاً. إن الطين في يد الفنان النطوفي لم يكن مجرد مادة للبناء، بل كان وسيطاً جديداً سمح بتخليد الأفكار المجردة لأول مرة في التاريخ.