Table of Contents
تخيل أن تستيقظ في منتصف الليل على رائحة نفاذة تشبه البيض الفاسد، تتسلل إلى منزلك وتطبق على أنفاسك. هذا ليس مشهداً من فيلم خيال علمي بائس، بل هو الواقع الذي عاشه سكان جنوب خليج سان دييغو في صيف عام 2024. وبينما اتجهت أصابع الاتهام المعتادة نحو المصانع أو مكبات النفايات، كشفت التحقيقات العلمية عن جانٍ غير متوقع تماماً: النهر الجاري بجوارهم. لقد تحولت المياه المتدفقة، التي نعتبرها عادة وسيلة لنقل الملوثات بعيداً، إلى آلة ضخمة تنفث الغازات السامة مباشرة في الهواء الذي يتنفسه السكان.
عندما يتحول النهر إلى مصدر للخطر الجوي
لطالما ارتبط نهر “تيخوانا” (Tijuana River) بمشاكل التلوث المائي، حيث ينقل مياه الصرف الصحي غير المعالجة نحو المحيط الهادئ بالقرب من الحدود الأمريكية المكسيكية. لكن الشكاوى المتزايدة من الروائح الكريهة دفعت العلماء للبحث في اتجاه آخر: الهواء.

عندما نزل بنيامين ريكو، الكيميائي المتخصص في الغلاف الجوي بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، إلى المنطقة لاستقصاء الأمر، واجهه مشهد مقلق ورائحة لا تطاق. أشار السكان إلى بقعة محددة في النهر حيث تتدفق المياه بسرعة وتتشكل الرغوة، مؤكدين أن الرائحة تنبعث من هناك وتشتد ليلاً.
ما وجده الفريق البحثي كان صادماً بكل المقاييس؛ فقد سجلت أجهزة القياس مستويات قياسية من غاز “كبريتيد الهيدروجين” (Hydrogen Sulfide) – وهو غاز سام ينتج عن تحلل مياه الصرف الصحي. في حين أن المستويات الطبيعية في المناطق الحضرية لا تتجاوز جزءاً واحداً في المليار، قفزت الأرقام هنا لتصل إلى 4500 جزء في المليار خلال فترات سكون الرياح ليلاً.
فيزياء الاضطراب: كيف يهرب السم من الماء؟
يكمن السر العلمي وراء هذه الظاهرة في “الاضطراب” (Turbulence). عندما تتدفق المياه الملوثة بهدوء، قد تبقى الغازات ذائبة فيها أو تنطلق ببطء. ولكن عندما تصطدم المياه بالصخور أو القنوات الخرسانية وتتلاطم أمواجها، فإن هذا الاضطراب يعمل ميكانيكياً على طرد الغازات المحبوسة إلى الغلاف الجوي، تماماً كما يحدث عند رج عبوة مشروب غازي.
أوضحت الدراسة المنشورة في دورية Science أن هذا الاضطراب المائي حول النهر إلى ما يشبه “بخاخة” عملاقة تنشر السموم. وقد سجلت المنطقة متوسطات ساعية وصلت إلى 2100 جزء في المليار، وهو ما يعادل 70 ضعفاً لمعايير جودة الهواء في المنطقة. المثير للاهتمام هو أن هذه المستويات انخفضت بشكل ملحوظ بمجرد تحويل مياه الصرف الصحي إلى محطة المعالجة، مما أكد بما لا يدع مجالاً للشك أن النهر المضطرب هو المصدر.
أزمة صحية غير مرئية
يصف ريكو هذا الاكتشاف بأنه قد يكون المرة الأولى التي نشهد فيها “أزمة تلوث هواء كاملة” يسببها نهر، خاصة بمثل هذا القرب من المناطق السكنية. سابقاً، كانت المخاوف تقتصر على التلامس المباشر مع المياه الملوثة أو رذاذ البحر المحمل بالبكتيريا، لكن انتقال الخطر إلى الهواء يغير قواعد اللعبة تماماً.
لا تزال الآثار الصحية طويلة المدى للتعرض لهذه المستويات العالية من كبريتيد الهيدروجين قيد الدراسة، لكن الأعراض الفورية مثل الصداع ومشاكل الجهاز التنفسي بدأت تظهر بالفعل بين السكان. والأكثر قلقاً هو أن هذه الظاهرة قد لا تكون مقتصرة على سان دييغو؛ فالأنهار الملوثة حول العالم التي تمر بظروف تدفق مشابهة قد تكون مصادر خفية لتلوث الهواء لم نلتفت إليها من قبل.
الواقع المؤلم ومستقبل المراقبة البيئية
رغم الأرقام والبيانات، يبقى الجانب الإنساني هو الأكثر إيلاماً في هذه القصة. يروي ريكو بحسرة مشهداً رآه أثناء عمله الميداني: أطفال يلعبون كرة القدم في الشارع، بينما تشير أجهزة القياس بجانبه إلى مستويات تلوث تصل إلى 1500 جزء في المليار. “كان من المفجع رؤية ذلك”، يقول ريكو، “كان من الصعب استيعاب أن هذا هو واقعهم اليومي الطبيعي”.
يضعنا هذا الاكتشاف أمام تحدٍ جديد في علوم البيئة؛ إذ لم يعد كافياً مراقبة جودة المياه وحدها في الأنهار الملوثة. بات من الضروري الآن توجيه أنظارنا وأجهزة استشعارنا نحو الهواء فوقها، فالخطر قد لا يأتيك سباحةً، بل قد تحمله الرياح إليك وأنت في عقر دارك.