عندما تجتمع الغربة والحجر الصحي.. كيف يكون حال المهاجر المسن بفرنسا؟

قالت صحيفة لوموند إن المسنين المقيمين بالملاجئ الفرنسية يعانون بشدة من قيود الحجر الصحي المترتب على جائحة كورونا، وغالبا ما يجدون أنفسهم معزولين، سواء كانوا من المغرب العربي أو أفريقيا.

حتى الشوارع التي كان المشردون يلجؤون إليها لم تعد متاحة مع الحجر الصحي (رويترز)

قالت صحيفة لوموند الفرنسية إن كبار السن الذين يعيشون في الملاجئ في فرنسا يعانون بشدة من قيود الحجر الصحي المترتب على جائحة كورونا، وغالبا ما يجدون أنفسهم معزولين، سواء كانوا من قادمين من المغرب العربي أو من غرب أفريقيا.

وفي تقرير مشترك بين بيير ليبيدي ومصطفى كسوس عرضت الصحيفة قصص عدد من المهاجرين المغاربيين والأفارقة، وكيف تحولت حياتهم إلى نوع من الجحيم غير المرئي في ملاجئهم، وحتى في الشوارع أحيانا.

فالتونسي مبارك (70 سنة) خرج في بداية العام لدفن شقيقه في تونس، وعاد متأخرا ليكتشف أنه فقد الغرفة التي كان يعيش فيها رغم أنه دفع إيجارها مسبقا، وسافر بعلم الإدارة بسبب وفاة أخيه.

ويقول الرجل الذي فقد مأواه إنه قضى بضع ليال في سيارته ينام حيثما اتفق، مشيرا إلى أنه اتصل بعدة أشخاص لاستضافته، ولكن دون إصرار لأنه لا يريد أن يزعج أحدا، لا زوجته السابقة ولا معارفه.

ومع أن أم أطفاله الثلاثة قررت استضافته لبضعة أيام في منزله السابق فإنه لا يستطيع البقاء عندها طويلا لأنهما مطلقان، ولذلك فهو يعيش -كما يقول- حجرا صحيا في الشارع “أينما تسنى له التواري عن أعين رجال شرطة” رغم أنه يعيش في فرنسا منذ عام 1971.

حسرة وقلق
ويقول مبارك إن أمله الوحيد اليوم هو تلبية طلبه السكني بسرعة، لأنه عندما فقد غرفته فقد أحاديث أصدقائه، علما أن تلك الأحاديث معلقة بالنسبة للعديد من المهاجرين الآخرين، بسبب ضرورات الحجر الصحي الذي بدأ منذ منتصف مارس/آذار الماضي.

غير أن مصدر حسرة وقلق الكثير من العمال المغاربيين الذين جاؤوا إلى فرنسا في سن الثلاثين يأتي -حسب التقرير- من كونهم أصبحوا مضطرين للعيش محاصرين في غرف أو شقق صغيرة لاحترام قواعد الحجر.

ويوضح المدير السابق لجمعية “أيام زمان” منصف العبيدي أن هذا الحجر غيّر عادات هؤلاء المهاجرين القدامى بشكل عميق، فالتونسي الصادق (81 سنة) -الذي يعيش بدار للعجزة في مدينة ليون- يقول إنه محظوظ لكونه في نفس الطابق مع أصدقائه، ولكنهم ملزمون بالبقاء في غرفهم.

ولا يختلف حال الصادق ومجموعته كثيرا عن حال مقيمين في منزل آخر بليون، حيث يتقاسم التونسي أحمد (84 سنة) شقته مع ثلاثة جزائريين، ويقول إنهم يضحكون، ولكنه يشعر بأنه مدمر من الداخل.

وأكثر ما يعذب أحمد ليس الوباء -كما يقول- بل هو عدم القدرة على حل مشاكله الإدارية مع صندوق التقاعد، قائلا إن “كل شيء في حالة جمود بسبب الحجر”، خاصة أنه لا يستطيع شرح وضعه على الهاتف لأنه غير متمكن من التحدث باللغة الفرنسية.

ومثل أحمد -كما يوضح التقرير- فإن صحة هؤلاء المهاجرين القدامى هشة، ولديهم مواعيد طبية مؤجلة وإرهاق جسدي ونفسي مزدوج بسبب الوحدة، ويقول منصف العبيدي “إن الوضع الحالي مثل العدسة المكبرة، نحن نولي المزيد من الاهتمام لهذه الفئة السكانية غير المرئية بشكل عام”.

وتشكو وردة  الجزائرية (75 سنة) من الوحدة بصورة أقل، لكن الحجر الصحي بالنسبة لها “طويل جدا، ومن الصعب أن تعيش بمفردك”، أما اللاجئة السورية أستاذة الفيزياء السابقة منى (65 سنة) فتقف عند النافذة كل يوم لمراقبة المارة وإيقافهم لتقول لهم “أنا معزولة ومحبوسة”باحثة عن بعض الأنس.

ينامون رأسا على عقب
وفي تقرير الصحيفة، يتحول الحجر الصحي بالنسبة لبعض المهاجرين إلى اختبار إضافي، كما هو الحال بالنسبة لسوماري خليفة القادم من جمهورية مالي والذي غير الوباء الحياة في منزله -كما يقول- بعد أن أصبحت “الزيارات ممنوعة”.

من ناحيته، يقول السنغالي عبد السلام ساخو المقيم في منزل للعمال المهاجرين بباريس إن “الحياة صعبة، حيث يعيش ثلاثة أو أربعة منا في كل غرفة، لكننا نحاول احترام القواعد”. 

ويضيف “في الماضي كنا نتحدث حتى الساعة الواحدة أو الثانية صباحا، أما الآن فقد انتهى ذلك، وبعضنا لم يعد يستطيع الخروج (…) لذلك، أولئك الذين لديهم وظيفة مستقرة يساعدون الباقين ماديا، إنه التضامن الأفريقي”.

رحلة أخيرة ومستحيلة
ويقول سوماري خليفة “إن هناك إضافة إلى العزلة شعورا منتشرا بأنك متروك وحدك في مواجهة فيروس كورونا، ففي مارس/آذار الماضي توفيت سيدة مسنة كانت تعيش في الطابق العلوي بسبب كوفيد-19، ونحن ليست لدينا أقنعة، ولذلك فنحن قلقون”.

ويقول التقرير إن مديري المنازل وجدوا أنفسهم مضطرين للتكيف مع الوباء والاستجابة لقلق السكان، حيث تقول سيلين باشرف مديرة مؤسسة “أدوما” التي تشرف على توفير الإقامة لما يقارب 88 ألف شخص إنهم وضعوا “منذ بداية الحجر لافتات بـ21 لغة لشرح إيماءات الحجر”.

ويقول ريتشارد جينين المدير العام لمؤسسة “أراليس” -التي تدير أربعة آلاف مسكن في منطقة ليون (فيها حوالي 1200 شخص أعمارهم فوق الستين)- إنه أنشأ نظام مراقبة، ووزع عشرين هاتفا على من لا يمتلكونها وطرودا غذائية على المحتاجين وقسائم خدمة، وهو يقوم بتنظيف المناطق المشتركة، إلا أنه لا توجد لديه أقنعة لتوزيعها.

وأكثر ما يخافه هؤلاء المديرون -حسب التقرير- هو انتشار الفيروس في إحدى مؤسساتهم، حيث يتساءل جانين “ماذا سيحدث إذا مرض الجميع؟”، مشيرا إلى وجود 57 حالة لدى أدوما وحالتين لدى أراليس.

وتقول منيرة بشير مديرة جمعية “فناء المسنين” التي تعتني بكبار السن وتساعدهم إن “بقاء هؤلاء المهاجرين القدامى في البلد المضيف دون أن يتمكنوا من العودة إلى أوطانهم يعتبر نوعا من النفي الأبدي، وإذا ماتوا في فرنسا فتلك مصيبة مزدوجة”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *