عندما يصبح تعدد الزوجات مشكلة فأين الحل؟

اعترض بعض الإخوة القراء على ما جاء في مقالتي الأخيرة (تعدد الزوجات بين التحدي والهاجس), بعضه أو كله, ومنهم شخصية هامة عبّر عن رأيه من خلال اتصال هاتفي بي, وملخّص رأيه أن تعدد الزوجات هو الحل الأمثل للعنوسة, ناهيك عن أنه تعويض لكثير من اليتامى وأولاد الطلاق عن الأب المفقود؛ وكان ردّي خلال ذلك الاتصال هو أني أوردته كحل لمشكلات الأرملة والمطلقة وبالأخص أولادهن إذا استطاع الرجل أن يكون والداً بديلا, وذلك في بعض مقالاتي السابقة, ولذلك ذكرت في مقالتي الأخيرة أن تعدد الزوجات يجب أن يكون حلا لمشكلة لا أن يصبح مشكلة كما هو الآن.

بالطبع لا أستطيع أن أكرر في كل مقالة ما ذكرته في مقالة سابقة, لذلك لم أترك قلمي ليسهب في الشرح لأن المقالة كانت خاصة ببعض الأسباب التي تجعل الرجل يفكر في الزواج الثاني, وتحديداً أولئك الرجال الذين ينجم زواجهم الثاني عن تهوّر محض, لذلك من الأجدى أن يكون التعدد مناطاً بولي الأمر, عبر مجالس ملحقة بمحاكم خاصة بالأسرة, فقد يكون حل المشكلة بين الزوج والزوجة أسهل بكثير من تعقيدها بالزواج الثاني.

هدف هذه المقالة البحث وراء الرأي القائل بأن تعدد الزوجات هو حل للمطلقات والأرامل وأولادهن وكذلك للعدد الهائل من العانسات, ولنبدأ بالشقّ الأول فنطرح بعض الأسئلة على سبيل المثال: كم هو عدد الرجال الذين يرغبون في الزواج من مطلقات أو أرامل على أن يكون كل منهم أباً بديلا بحق؟ لماذا يرغب الرجل بالزواج من مطلقة ثم يأمرها أن ترمي أولادها لزوجها السابق لأنه لا يستطيع أن يحتمل رؤية أولاد في بيته ليسوا من صلبه؟ وإذا كان الولد يتيماً فلماذا يطلب من والدته الأرملة أن تضع الولد عند عمه أو خاله أو أي قريب أو حتى غريب بغاية ألا يرى وجهه البائس؟!

الرغبة في المطلقة أو في الأرملة عموماً تخفي وراءها رغبة في الأسهل, خصوصاً من ناحية المهر, فهي امرأة تبحث عن الحلال أيضاً, ولذلك لن تضع- هي أو أهلها- شروطاً تعجيزية للزواج منها, ومن هنا فإن الأسئلة السابقة- وكثير غيرها- لا أطرحها كي أقول إن الرحمة انعدمت والإنسانية تلاشت, لكنها- وبصراحة تامة- القاعدة وأما الاستثناء فلا يقاس عليه لأنه نادر وحكم النادر كالمعدوم, وكي نكون صرحاء أكثر يجب أن نقول إن الرجل العادي – بالكاد – يتقبّل المسؤولية المعنوية عن أولاده الخاصين به, هذا إذا كان منفقاً عليهم, أما مهمة التربية فمتروكة للأم, وفي كثير من الأسر العربية تضاعفت مسؤولية الأم لتشمل العمل خارج المنزل؛ والرجل لا يدري شيئاً عن الأولاد, وإذا لم تجد الزوجة الوقت للتفرّغ له من أجل حسن التبعّل الذي لا يماري أحد أنه حق للزوج على الزوجة, فإن أول حلّ يبرق بذهنه هو زوجة أخرى, دون أن يخطر له أن يساهم بتربية ابنه إذا تحمّل عن الزوجة عبء المذاكرة له مثلا, وكأن المرأة ليس لها حق على زوجها بإعانتها في أمور المنزل في حال عدم وجود مساعِدة لها, علماً بأن بعض الفقهاء الأقدمين لم يوافق على أن خدمة المرأة في بيت زوجها هي حق للزوج, ومع ذلك فنحن نغضّ الطرف عن الإنصاف الذي قدمه الفقه للمرأة, ونأخذ من الفقه ما يتّفق وأهواءنا فقط, ويأتي التعدد ليكون هو النموذج على هذه الازدواجية!

السؤال الأخير في هذا الصدد: أين هو العدل؟ ولماذا نراه غائباً حتى في حال وجود زوجة واحدة لا زوجتين؟ والمقصود أن كثيراً من الرجال يتقنون العزف على أوتار عاطفة الزوجة الأم, فلا يعدل بينها وبين نفسه, وأكثر ما يظهر هذا في حال كون المرأة عاملة وربة منزل في نفس الوقت, فهي تأتي مثله من الدوام منهكة ولكن عليها أن تعدّ الطعام وتطعم الأطفال الصغار وتساعد الكبار في دراستهم, وأما الرجل فيأتي ليمدّ رجليه بعد الغداء وإذا رحمها من طلباته فإنه يأوي إلى إغفاءة ما بعد الظهر لتمتدّ لما بعد المغرب عندما يكون شلة الأصدقاء بالانتظار على البحر أو في البر, والمرأة صابرة ومحتسبة لأنها لا تريد أن تُرمى بكلمة (مطلقة) التي تحمل في مضمونها الاجتماعي إهانة للمرأة وعاراً لأهلها, فلا هي مسموح لها بالخروج من البيت, وأي حركة تأتيها مشكوك بها, وأغلبنا يتذكر حلقة طاش ما طاش عندما لقّبت المطلقة بالمدانة.

لا يجادل عاقل في أن بعض النساء تجترح إثم خراب البيت العامر بسبب أخلاقها التعيسة أو عقلها الصغير أو الاثنين معاً, وهؤلاء الناشزات لهن دواء أوضحه القرآن الكريم, ولم يرد الزواج بأخرى كدواء بل ورد في القرآن الكريم محدّداً بوجود اليتيمات كما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها إذ كان يطمع بعض الرجال بالزواج من اليتيمة التي في حجره من أجل مالها, فأمر القرآن الكريم الرجال بالقسط في اليتامى, وخصّ اليتيمة التي تتربّى في حجر الرجل باسم (ربيبة) بأن يعتبرها الرجل بعد أن تزوّج والدتها كابنته فلا يحلّ له الزواج منها, وإذا بحثنا في المجتمعات العربية كلها فلن نجد هذه التسمية الكريمة الرحيمة (ربيبة), لذلك لا خلاف على أن تعدد الزوجات هو نظام لحل مشكلة الأيتام, لكن السؤال المطروح هو: عندما يصبح اليتيم – أو اليتيمة – شوكة في حلق الرجل الذي حلّ مكان والده, فأين المشكلة وأين الحل؟

ما يقال عن المطلقات والأرامل ينطبق على مشكلات العوانس, ولكن كلمة العانس لغوياً تقال للذكر والأنثى, فلماذا اقتصرت اجتماعياً على الأنثى؟ كما أن سن العنوسة يختلف من بلد لآخر, مع تزايد رغبة الفتاة في التعليم, فأي عمر هو الأنسب لتحديد سن العنوسة؟ طبعاً إكمال التعليم هو للحصول على شهادة تحمي الفتاة في حال عدم زواجها من المهانة في بيوت الإخوة بعد وفاة الأب, أو تقيها الظلم في حال زواجها من رجل لا يتقي الله فيها, كي لا تتحوّل إلى كومة أو بقايا إنسانة بعد الطلاق, سواء مع الأطفال أو بدونهم.

في كثير من مجتمعاتنا العربية يكون عدد النساء في سن الإنجاب- أي بين 15 و45 سنة- مقسوماً كما يلي: ثلث للمتزوجات وآخر للعانسات والأخير للمطلقات والأرامل, بمعنى أن عدد غير المرتبطات هو ضعف عدد المرتبطات, لكن مقابل هؤلاء هناك 3 أقسام مشابهة للرجال, وقد تبيّن آنفاً أن الزواج الثاني يحل مشكلة المطلقات نظرياً ولكنه على المستوى العملي ليس كذلك, فهل هو حقاً حل لمشكلة العنوسة؟ وهل عدد العوانس الإناث أكثر من عدد العوانس الذكور؟ وإذا كان الرجل المتزوج ذا قلب رحيم حقاً, فلماذا لا يرحم الشاب العانس الذي وصل لعمر ثلاثين وما فوق ولم يستطع أن يتزوج, فيساعده بالفائض من ماله؟ هكذا هو يحلّ مشكلة شخصين: ذكر وأنثى, بدل أن يحل مشكلة الأنثى فقط, وهو حل قد يكلّفها راحة بالها فلا يقارن بالنسبة لها بالزواج من عازب مثلها, كما أنه غالباً مرفوض من الزوجة الأولى مما ينعكس على نفسية الأطفال الذين يدفعون ثمن نزوات آبائهم؛ ومن يقرأ تعليقات القراء على مقالي السابق, فسوف يجد أن لسان حال أكثر المعددين- أو الراغبين بالتعدد- يقول: إن زواجي الثاني هو للاستمتاع, ولذلك لا أريد عانساً من أجل أن تتعسني بالأولاد, بل ليتها تكون عاقراً فذلك أفضل

كل ما كتبته أعلاه ليس محض خيال بل هو من واقع الحياة التي تعقّدت وتشابكت خيوطها لدرجة أن العاقل- رجلا كان أو امرأة- لم يعد قادراً على زيادة أعبائه حتى لو بوجود قطة في حياته, فكيف بوجود أسرة جديدة؟ وكيف يبنى بيت على حساب خراب بيت آخر؟ وكيف يتحمّل الرجل مسؤولية أسرتين وهو لا يمد يده للمساعدة في مسؤولية أطفاله إلا بتأمين المال في أحسن الأحوال؟ وأما عنوسة الفتيات فأسبابها معروفة وهي بالدرجة الأولى: غلاء المهور وتعنّت أولياء الأمور وحب التباهي والظهور, وقبل كل شيء هي ناجمة عن غياب التربية التي مفادها أن لكل من الشاب والفتاة دوره في الحياة الأسرية والاجتماعية بغض النظر عن عمره وجنسه.

المصدر: بوابة المرأة

Source: Annajah.net

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *