روبرت مالي؛ وريتشارد مالي* – (فورين أفيرز) 31/3/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تخيل لو أن كل شيء في استجابة الولايات المتحدة المستمرة لـ”كوفيد- 19″، المرض الذي يسببه فيروس كورونا المستجد، سار خطأ؛ أن هذا النقص في مجموعات فحص المرض يستمر لأشهر؛ أن الدولة ستفشل بشكل كامل في تعزيز قدرات المستشفيات ووحدات العناية المركزة وزيادة المعروض من الأقنعة الواقية والقفازات وأجهزة التنفس الاصطناعي؛ أن يثبت النظام الصحي المتمدد والمضغوط مسبقاً كونه غير قادر على متابعة إجراءات التعقب، والعزل، والحجر الصحي؛ أن يفشل المواطنون العاديون في فصل أنفسهم عن بعضهم بعضا وتبقى معظم الأعمال مفتوحة.
والآن، تخيل فقط أن يكون كل ذلك حاضراً، وأسوأ بطبقات عدة من حيث الحجم والنطاق. بالنسبة لأي عدد من البلدان النامية، ليس تحقق مثل هذا السيناريو مسألة تكهنات. إنه مستقبل مرجح، إن لم يكن حقيقة وشيكة.
بدأت جائحة فيروس كورونا المستجد بشكل رئيسي في بلدان متقدمة، ومجهزة -نظرياً- بشكل أفضل للتعامل مع تداعياتها -سواء كانت الصين أو كوريا الجنوبية أو سنغافورة أو إيطاليا. وعلى الرغم من أنها تكافح هي أيضاً لمحاولة التكيف، فإن هذه الدول تتمتع بثراء نسبي، ومؤسسات وأنظمة سياسية قوية، وأنظمة طبية فعالة إلى حد ما وفقاً للمعايير العالمية. وإذا ما ضرب أي شيء يقارب ما شهدته هذه الدول دولاً أكثر فقراً أو من تلك التي تمزقها الصراعات، فإن التأثير يمكن أن يكون ساحقاً. ولسوء الحظ، قد لا تكون تلك اللحظة بعيدة جداً: تشهد كل من الهند وباكستان والبرازيل وفنزويلا والأرجنتين ونيجيريا وجنوب إفريقيا المئات، وأحياناً الآلاف، من حالات الإصابة مسبقاً. وكما أظهرت تجربة العديد من النقاط الساخنة الحالية للإصابة بـ”كوفيد- 19″، فإن مسافة ضيقة فقط يمكن أن تفصل القَطْر عن الفيضان.
الاستعداد للتأثير
حتى الآن، من يزال من غير الواضح إلى أي مدى انتشر المرض إلى الدول الأقل نمواً، حيث أنها لا تجري الفحوص حالياً بشكل كافٍ -إذا كانت تفعل على الإطلاق- لتقصي الإصابة بالفيروس. وربما ستنجو الكثير منها من تفشي المرض، على الرغم من عدم وجود مبرر علمي سليم لاحتمال حدوث ذلك بعد. يمكن أن يكون الفيروس موسميًا بدرجة كبيرة وأقل قابلية للانتقال في المناخات الأكثر رطوبة ودفئاً، ولكن، لا يوجد حتى الآن دليل يذكر يدعم ذلك. والموسمية سمة راسخة في الفيروسات، والتي قد تتيح للناس فرصة تطوير مناعة جزئية ضدها على الأقل. وفي بيئة يكون فيها السكان محصنين مسبقاً إلى حد ما، من المرجح أن تؤثر التغيرات في درجة الحرارة والرطوبة على قدرة الفيروس على الانتشار. ولكن، في حالة فيروس كورونا المستجد، ما تزال مثل هذه الحصانة الجزئية مفقودة تماماً. كانت سنغافورة، على الرغم من مناخها الأكثر دفئاً ورطوبة على الدوام، واحدة من الدول الأولى المتضررة. ومن المحتمل أن يكون أي تأثير للطقس على فيروس كورونا متواضعاً في أحسن الأحوال، بحيث يؤخر الكارثة فقط أكثر من كونه يمنعها.
من المعروف أن بعض عوامل خطر “
كوفيد 19-” المعروفة، مثل السمنة، وأمراض القلب والأوعية الدموية، أو ارتفاع ضغط الدم، هي أكثر انتشاراً في البلدان ذات الدخل المرتفع. ومن المرجح أن تعاني المجتمعات ذات معدلات الأعمار الكبيرة من أسوأ عواقب المرض، في حين أن العديد من البلدان النامية تميل إلى أن يكون سكانها أصغر سناً. وقد تعني هذه الحقائق مجتمعة أن الفيروس سيضرب البلدان ذات الدخل المنخفض بشكل أقل حدة. ولكن، مرة أخرى ستكون أي ميزة محتملة على هذه الأسس طفيفة.
إن السمنة وأمراض القلب والأوعية الدموية حاضرة في البلدان الفقيرة، والتي يتعين على سكانها أيضًا مواجهة عدد من المشاكل الصحية الأخرى والظروف البيئية التي تؤدي إلى تفاقم فتك الفيروس -من سوء التغذية المزمن، إلى فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، إلى السل والتدخين وسوء نوعية الهواء. وحتى الشباب أنفسهم معرضون لبعض المخاطر: يمكن أن يكون “كوفيد- 19” مميتاً للذين في العشرينات من العمر، خاصة حيث يكون هناك نقص ملحوظ في الرعاية الطبية العاجلة.
سوف يضرب “كوفيد- 19” البلدان النامية بالتأكيد
خلاصة القول هي أن “كوفيد – 19” سيضرب البلدان النامية بالتأكيد تقريباً. وترجع الأرقام المنخفضة الحالية للإصابات في تلك الدول، إما إلى قصور في رصد الحالات، أو إلى الفاصل الزمني بين وقت انتشار الفيروس لأول مرة والوقت الذي يشرع فيه بالظهور. وعندما يضرب حقاً، فإنه سيفعل بنيّة انتقام؛ حيث تجمع هذه البلدان معاً كل أشد عوامل الخطر فعالية. فبنيتها التحتية الصحية الأساسية غير كافية. وغالباً ما تفتقر إلى المياه الجارية النظيفة. كما أن لديها كثافة سكانية عالية وهياكل تعايش أسري من شأنها أن تعرقل التباعد الجسدي. وعندما يعتمد العمال بشكل كامل على أجورهم للبقاء على قيد الحياة ولا تستطيع الحكومة تحمُّل تعويض الفرق، تصبح تكلفة إغلاق الأعمال أبعد من التصوُّر. وكما أشار رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد في صحيفة “فاينانشيال تايمز”، فحتى التوقف القصير في الزراعة أو الحصاد يمكن أن تكون له عواقب مدمرة على الإمدادات الغذائية في بلاده. وسوف يتفاقم كل هذا حتمًا بسبب التباطؤ الاقتصادي العالمي الكبير الذي ينتظر في الأمام، والذي سيضرب الدول الهشة بشدة، ويلحق قدراً أكبر من الضرر بمرونتها وقدرتها على المقاومة.
باختصار، تميل الدول الأقل قدرة على فرض التباعد الجسدي واستخدام تعقب الاتصال أيضاً إلى أن تكون لديها أنظمة الرعاية الصحية الأكثر تمدداً وأكثر الاقتصادات هشاشة وافتقاداً للاستقرار. ويمكن أن يؤدي تفشٍ رئيسي لـ”كوفيد 19-” في أي منها إلى عدد لا يمكن تصوره من القتلى. وتشير التقديرات في الولايات المتحدة إلى أن ما يقرب من خمسة إلى عشرة بالمائة من مرضى “كوفيد- 19” يحتاجون إلى دخول المستشفى والمعالجة في وحدات العناية المركزة. وفي معظم البلدان الأكثر فقراً، ثمة نقص حاد في أسرّة العناية المركزة حتى في الظروف العادية.
لدى الولايات المتحدة ما يقرب من 33 سريرا في وحدات العناية المركزة لكل 100.000 شخص. لكن هذا العدد ينخفض حوالي سريرين لكل 100.000 في الهند وباكستان وبنغلاديش. والوضع أكثر خطورة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى: لدى زامبيا 0.6 سرير وحدة عناية مركزة لكل 100.000 شخص؛ ولدى غامبيا 0.4؛ ولدى أوغندا 0.1. وإذا ضرب الوباء هذه البلدان أو أي دول أخرى مثلها، فمن شبه المؤكد أنها ستواجه موجة مفاجئة من الحالات التي سوف تجتاح أنظمة الرعاية الصحية لديها. ونتيجة لذلك، يمكن أن يكون معدل الوفيات من جراء “كوفيد- 19” -الذي يُقدر حالياً في الدول الأكثر ثراءً بما بين 0.25 في المائة و3 في المائة- أعلى بكثير في البلدان الفقيرة. ونظراً لأن المستشفيات التي تعمل فوق طاقتها لن تكون قادرة على رعاية الأشخاص الذين يعانون من حالات طبية أخرى يمكن علاجها، فإن معدل الوفيات الإجمالي سيكون أعلى أيضاً.
قم فقط بإجراء الحساب: إذا لم يتغير شيء، فإن احتمال وفاة الملايين لن يكون بعيداً عن الواقعية.
الخطوات التالية
وإذن، ما الذي ينبغي فعله؟ بطبيعة الحال، يجب على الحكومات في البلدان النامية أن تبذل قصارى جهدها لفرض التباعد الجسدي، وتعزيز قدراتها على إجراء فحوص الكشف عن المرض وتتبع اتصالات المحجورين والمشتبه بإصابتهم، وعزل مواطنيها الأكثر ضعفاً، وتحويل أولويات ميزانياتها إلى الصحة العامة. لكن تنفيذ هذه التدخلات سيكون صعباً في العديد من الأماكن، وهي تعمل حتى الآن فقط. في نهاية المطاف، يجب أن يأتي جزء كبير من الاستجابة من الخارج -من الدول الغنية والمؤسسات المالية الدولية والمجتمع الصحي العالمي.
تتمثل الخطوة الأولى في أخذ المدى الكامل لاحتمالات الأزمة الوشيكة في الاعتبار بدلاً من مجرد التعلق بالأمل في الأفضل لمجرد أن الأسوأ لم يتحقق بعد. وقد تساعد بعض الخطوات الفورية في هذا الشأن. ومنها وجوب أن تقوم المنظمات الدولية، أو الدول المفردة، بتخصيص الأموال بشكل عاجل حتى تتمكن الدول النامية من إنتاج أو شراء الإمدادات الطبية. ويمكن أن يساعد دعم الميزانيات وتخفيف عبء الديون في تحرير موارد أخرى. وقد أصدرت الأمم المتحدة التماساً لجمع نحو 2 مليار دولار لمكافحة الوباء. وهذه بداية، لكنها بالكاد تلامس سطح الحاجة العميقة.
ينبغي أن يتم إنفاق أي أموال يتم توفيرها لهذه الدول بحكمة. وتبدو زيادة إمدادات معدات الحماية الشخصية لحماية العاملين في مجال الرعاية الصحية منطقية تمامًا. وعلى النقيض من ذلك، فإن محاولة تعزيز قدرات وحدات العناية المركزة الحالية بشكل كبير -من خلال توفير أجهزة التنفس الاصطناعي، على سبيل المثال- قد تكون مضللة على الأرجح. فبالنظر إلى حجم التحدي، يجب أن تكون الأولوية لضمان أن تتمكن البلدان الفقيرة من تحديد الأفراد المصابين والأشخاص الذين كانوا على اتصال بهم، والتأكد من إمكانية تشخيص أولئك الذين يعانون من أعراض خفيفة نسبيًا في مراكز الاختبار -أو، في الحالة المثالية، في المنازل بدلاً من السعي إلى الحصول على الرعاية في المستشفى. هذه الاستراتيجية هي أفضل طريقة لتخفيف الضغط عن النظم الصحية المتوترة بالفعل وإنقاذ الأرواح. ولتطبيقها، يجب على شركات التكنولوجيا الحيوية، والمنظمات غير الربحية، والمنظمات الصحية الدولية أن توحد جهودها لتطوير وتوزيع أدوات فحص منخفضة التكلفة.
في مكان أبعد على الطريق، إذا تمكن الباحثون من إعادة توجيه غرض دواء موجود أو تطوير علاج يمكن أن يقلل من شدة المرض ويجعله أقل فتكًا، يجب على الدول الأكثر ثراءً أن تذهب في اتجاه مخالف للنمط: بدلاً من إعطاء الأولوية لمواطنيها فقط، يجب عليها أن تعمل بالتزامن على توفير الإمدادات للدول منخفضة ومتوسطة الدخل. وينطبق الشيء نفسه على أي لقاح مستقبلي، والذي سيكون متاحًا في ظل أفضل سيناريو بعد 12 إلى 18 شهراً من الآن. ونظراً لأن التباعد الجسدي والحجر الصحي -الإجراءات البديلة الوحيدة المتاحة حالياً للسيطرة على الفيروس- تظل أكثر صعوبة على التنفيذ في معظم البلدان الأكثر فقراً، يجب اعتبار الوصول العالمي إلى أي دواء علاجي أو لقاح فعال أولوية -لا أن يتم التعامل معها كشأن ثانوي أو مؤجل. وبمجرد أن ينتهي التهديد الذي يشكله “كوفيد- 19” في نهاية المطاف، سوف تحتاج البلدان النامية مرة أخرى إلى مساعدة ضخمة -هذه المرة للمساعدة في إعادة بناء اقتصاداتها والتأكد من استعدادها بشكل أفضل للوباء التالي.
تسرب الآثار بين الدول
سوف يكون إيلاء الاهتمام لمحنة الدول الفقيرة بلا شك مرتقى صعباً في وقت تواجه فيه جميع البلدان، الغنية والفقيرة منها على حد سواء، هجمة الوباء والدمار الاقتصادي الذي ينتظر في أعقابه. وسوف تقاوم الآراء العامة إنفاق الموارد في الخارج عندما تكون هناك حاجة إلى الكثير في الداخل.
ولكن، إذا لم تكن الاعتبارات الإنسانية كافية وحدها لإقامة قضية المساعدة، ينبغي أن تكون الاعتبارات العملية كافية. سوف تكون للوباء الذي لا يعرف حدوداً تداعيات تتجاهل الحدود بين الدول هي أيضاً. مهما تكن عمليات إغلاق الحدود فعالة، فإنها لن تتمكن أبدًا من احتواء الفيروس بالكامل -سيكون هناك تسرب حتماً، والذي سيسمح للفيروس بالعودة إلى المناطق التي تم استئصاله فيها. وسوف يظل التغلب على “كوفيد – 19” في بعض الأماكن فقط نجاحاً قصير الأجل إذا لم يتم القضاء على المرض في كل مكان.
وحتى خارج المجال الطبي، من المرجح أن تتسرب الآثار غير المباشرة للوباء من دولة إلى أخرى. يمكن أن تعاني العديد من البلدان النامية من خسائر فادحة في عدد القتلى، ومن الانهيارات الاقتصادية والبطالة والفقر. ويمكن أن تتخذ الاضطرابات الاجتماعية الناتجة أشكالاً عديدة، من الصراع العنيف داخل الدول إلى تدفقات اللاجئين الضخمة، أو نمو الجريمة المنظمة، أو أنشطة الجماعات الإرهابية التي تستفيد من الفوضى المنتشرة -وكل منها يمكن أن يؤثر في النهاية على أوروبا والولايات المتحدة. قد تكون هناك أزمة ذات أبعاد أسطورية كامنة على الطريق، أو أنها ربما تشتعل تحت الرماد مُسبقاً، غير مرئية -وإنما ليست أقل قوة. وبالنسبة للدول الأكثر ثراءً، فإن مساعدة العالم النامي على تجاوز التأثير المباشر لـ”كوفيد- 19″ وتكاليفه على المدى الطويل ليست مجرد عمل من أعمال الإيثار الإنساني. إنها ضرورة ذاتية -وملحة.

*روبرت مالي: الرئيس والمدير التنفيذي لمجموعة الأزمات الدولية. عمل كمنسق البيت الأبيض للشرق الأوسط وشمال أفريقيا ودول الخليج من 2015 إلى 2017.
*ريتشارد مالي: طبيب الأمراض المعدية في مستشفى بوسطن للأطفال وأستاذ طب الأطفال في كلية الطب بجامعة هارفارد.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: When the Pandemic Hits the Most Vulnerable: Developing Countries Are Hurtling Toward Coronavirus Catastrophe