هيذر غالوي – (إل بايس) 30/10/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يكون خطر عدوى فيروس كورونا أعلى في الأماكن المغلقة، ولكن يمكن تقليله عن طريق تطبيق جميع التدابير المتاحة لمكافحة انتشار العدوى من خلال الهباء الجوي (الرذاذ). وفيما يلي نظرة عامة على احتمالية الإصابة في ثلاثة سيناريوهات يومية، بناءً على تدابير السلامة المستخدمة ومدة التعرض.

  • * *
    ينتشر فيروس كورونا عن طريق الهواء، وخاصة في الأماكن المغلقة. وعلى الرغم من أنه ليس معدياً بمثل شدة عدوى فيروس الحصبة، إلا أن العلماء يعترفون الآن صراحة بالدور الذي يلعبه انتقال الرذاذ -وهو جزيئات معدية صغيرة يزفرها شخص مصاب وتبقى معلقة في الهواء في الأماكن الداخلية المغلقة. كيف يعمل الانتقال؟ والأهم من ذلك، كيف يمكننا إيقافه؟
    في الوقت الحالي، تتعرف السلطات الصحية على ثلاث وسائل لانتقال فيروس كورونا: القطرات الصغيرة الناتجة عن التحدث أو السعال، والتي يمكن أن تنتهي بها المطاف في عيون أو فم أو أنف الأشخاص الذين يقفون بالقرب من المصاب؛ والأسطح الملوثة، على الرغم من أن المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) تشير إلى أن هذه هي الطريقة الأقل احتمالية للإصابة بالفيروس، وهو استنتاج مدعوم بملاحظة المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض والوقاية منها (ECDC) بأنه لم تتم ملاحظة حتى حالة واحدة من الإصابة بـ”كوفيد-19″ ناجمة عن الأسطح الملوثة؛ ثم أخيرًا، هناك الانتقال عن طريق الهباء الجوي -استنشاق جزيئات معدية غير مرئية يزفرها شخص مصاب، والتي تتصرف بمجرد مغادرتها الفم بطريقة مماثلة للدخان. ومن دون تهوية، تظل جزيئات الرذاذ معلقة في الهواء وتصبح أكثر كثافة مع مرور الوقت.
    التنفس، التحدث والصراخ
    في بداية الوباء، كان يُعتقد أن القطرات الكبيرة التي نطردها عند السعال أو العطس هي الوسيلة الرئيسية لانتقال العدوى. لكننا نعلم الآن أن الصراخ والغناء في الأماكن المغلقة سيئة التهوية على مدى فترة طويلة من الزمن يزيد أيضًا من خطر العدوى. ذلك لأن التحدث بصوت عالٍ يطلق جزيئات محملة بالفيروسات تزيد بمقدار 50 مرة عما نطلقه منها عندما لا نتحدث على الإطلاق. وإذا لم يتم تبديد هذه الجزيئات عن طريق التهوية، فإنها تصبح مركزة بشكل متزايد، مما يزيد من خطر الإصابة بالعدوى. وأظهر العلماء أن هذه الجسيمات -التي نطلقها أيضًا في الغلاف الجوي عند التنفس ببساطة، والتي يمكن أن تفلت من أقنعة الوجه البالية- يمكن أن تصيب الأشخاص الذين يقضون أكثر من بضع دقائق في دائرة نصف قطرها خمسة أمتار حول شخص مصاب، اعتمادًا على طول الوقت وطبيعة التفاعل. وفي المثال التالي، حددنا الشروط التي تزيد من خطر العدوى في هذا الوضع.
    في الربيع، فشلت السلطات الصحية في التركيز على انتقال المرض عن طريق الرذاذ، لكن المنشورات العلمية الحديثة أجبرت منظمة الصحة العالمية (WHO) ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها على الاعتراف بذلك. ووجد مقال نشر في مجلة “العلوم” Science المرموقة أن هناك “دليلًا دامغًا” على أن الانتقال المحمول جواً هو “طريقة انتقال رئيسية” لفيروس كورونا، وتلاحظ مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الآن أنه “في ظل ظروف معينة، يبدو أن مصابين قد أصابوا بالعدوى أشخاصًا آخرين كانوا على بعد أكثر من ست أقدام (مترين). وقد حدثت عمليات انتقال العدوى هذه داخل أماكن مغلقة ذات تهوية غير كافية. وفي بعض الأحيان كان الشخص المصاب يتنفس بكثافة، على سبيل المثال، أثناء الغناء أو ممارسة الرياضة”.
    الحانة، المقهى أو المطعم
    يمثل تفشي فيروس كورونا في أحداث وفي مؤسسات مثل الحانات والمقاهي والمطاعم، جزءًا كبيرًا من العدوى في البيئات الاجتماعية. وعلاوة على ذلك، فإن هذه التفشيات هي الأكثر خطورة: فكل تفشٍ في ملهى ليلي أو مطعم أو مقهى يصيب ما معدله 27 شخصًا، مقارنة بستة أشخاص فقط خلال التجمعات العائلية. وقد حدث أحد هذه التفشيات الكبيرة في نادٍ في مدينة قرطبة الجنوبية الإسبانية، حيث ثبتت إصابة 73 شخصًا بعد قضاء ليلة خارج المنزل. كما قام العلماء مؤخرًا بتحليل حالة لتفشي المرض في حانة في فيتنام، حيث أصيب 12 من الموظفين بالفيروس.
    المدرسة
    تمثل المدارس 6 في المائة فقط من حالات تفشي فيروس كورونا التي سجلتها السلطات الصحية الإسبانية. وتتغير ديناميكيات الانتقال عبر الهباء الجوي (الرذاذ) في الفصل الدراسي بشكل كامل اعتمادًا على ما إذا كان الشخص المصاب -أو المريض صفر- طالبًا أو مدرّسًا. فالمعلمون يتحدثون أكثر بكثير من الطلاب ويرفعون أصواتهم حتى تُسمَع، ما يضاعف من عملية طرد الجسيمات التي يحتمل أن تكون معدية. وفي المقابل، لن يتحدث الطالب المصاب إلا من حين لآخر. ووفقًا لإرشادات المجلس الوطني الإسباني للبحوث (CSIC)، أوصت الحكومة الإسبانية بتهوية الفصول الدراسية -على الرغم من أن هذا قد يسبب عدم الراحة في الأشهر الباردة- أو باستخدام وحدات التهوية.
    لحساب احتمالية انتقال العدوى بين الأشخاص في المواقف “المعرضة للخطر”، استخدمنا “مقدِّر انتقال كوفيد المحمول جواً” Covid Airborne Transmission Estimator الذي طوره مجموعة من العلماء بقيادة البروفيسور خوسيه لويس خيمينيز من جامعة كولورادو. وتهدف هذه الأداة إلى تسليط الضوء على أهمية التدابير التي تعيق انتقال الرذاذ. وليس هذا الحساب شاملاً ولا يغطي جميع المتغيرات التي لا حصر لها والتي يمكن أن تؤثر على بث الفيروس، ولكنه يعمل على توضيح كيفية تقليل مخاطر العدوى من خلال تغيير الظروف التي لدينا سيطرة حقيقية عليها.
    أثناء عمليات المحاكاة، يحافظ الأشخاص على المسافة الآمنة الموصى بها، مما يحد من مخاطر الانتقال من خلال الرذاذ. ولكن يظل من الممكن أن يصابوا بالعدوى إذا لم يتم تطبيق جميع التدابير الوقائية الممكنة في وقت واحد: التهوية الصحيحة، وتقصير زمن المواجهات، وتقليل عدد المشاركين، وارتداء أقنعة الوجه. وسيكون السيناريو المثالي، مهما كان السياق، في الهواء الطلق، حيث تنتشر الجسيمات المعدية بسرعة. إذا لم يتم الحفاظ على مسافة آمنة من الشخص المصاب، يتضاعف احتمال انتقال العدوى لأنه سيكون هناك أيضًا خطر التقاط العدوى من القطرات الكبيرة -وليس من جزيئات الهباء الجوي فقط. ومما يزيد الطين بلة، حتى لو كانت هناك تهوية، أن ذلك لن يكون كافيًا لتفريق جزيئات الرذاذ إذا كان الشخصان قريبين من بعضهما بعضا.
    تستند الحسابات الموضحة في السيناريوهات الثلاثة المختلفة التي تفترضها تجربتنا إلى دراسات حول كيفية حدوث انتقال الهباء الجوي، باستخدام حالات تفشٍ حقيقية تم تحليلها بالتفصيل. وكانت إحدى الحالات كثيرة الصلة فيما يتعلق بفهم ديناميات انتقال العدوى في مكان مغلق هي بروفة لجوقة غنائية في ولاية واشنطن في الولايات المتحدة، أجريت في آذار (مارس). وقد حضر التمرين 61 فقط من أصل 120 عضوًا في الجوقة، وبُذلت الجهود للحفاظ على مسافة آمنة وتم تأكيد تطبيق إجراءات النظافة. لكنّ ما لم يكُن معروفاً لديهم هو أنهم كانوا في سيناريو الخطر الأقصى: لا أقنعة وجوه، ولا تهوية، بينما يغنون ويتشاركون الحيز على مدى فترة طويلة. وقد نقل شخص مصاب واحد فقط الفيروس إلى 53 شخصًا في غضون ساعتين ونصف الساعة. وكان بعض المصابين على بعد 14 مترًا منه، ولذلك، كان الرذاذ فقط هو الذي يفسر انتقال العدوى. وقد توفي اثنان ممن أصيبوا بالفيروس.
    بعد دراسة هذه الحالة من التفشي بعناية، تمكن العلماء من حساب المدى الذي يمكن أن يتم فيه تخفيف الخطر إذا اتخذوا تدابير ضد الانتقال عبر الهواء، على سبيل المثال، لو تم ارتداء أقنعة الوجه، لكان الخطر انخفض إلى النصف؛ حيث سيتأثر حوالي 44 في المائة من الموجودين فقط مقابل 87 في المائة من دون أقنعة. ولو كانت هذه البروفة قد أجريت على مدى فترة زمنية أقصر في مكان به تهوية أكثر، لكان اثنان فقط من المغنّين قد أصيبوا بالعدوى. وتبدو هذه السيناريوهات ذات الانتقال الشديد للعدوى حاسمة على نحو متزايد في تطوير وانتشار الوباء، مما يعني أن امتلاك أدوات لمنع الانتقال الجماعي في مثل هذه الأحداث هو مفتاح السيطرة عليه.
    المنهجية: حسبنا خطر الإصابة بفيروس “كوفيد-19” باستخدام أداة طورها خوسيه لويس خيمينيز، كيميائي الغلاف الجوي في جامعة كولورادو وخبير في كيمياء وديناميكيات جزيئات الهواء. وقام العلماء حول العالم بمراجعة هذا المقدِّر، الذي يعتمد على الأساليب والبيانات المنشورة لتقدير أهمية العوامل المختلفة القابلة للقياس التي ينطوي عليها سيناريو العدوى. ومع ذلك، فإن دقة المقدِّر تظل محدودة لأنها تعتمد على الأرقام التي ما تزال غير مؤكدة -الأرقام التي تصف، على سبيل المثال، عدد الفيروسات المعدية التي تنبعث من شخص مصاب. ويفترض المقدّر أن الناس يمارسون قاعدة التباعد الاجتماعي لمسافة مترين التباعد، وأن لا يكون أحد محصنًا من العدوى. ويعتمد حسابنا على القيمة الافتراضية لعامة السكان، والتي تتضمن ارتداء مجموعة كبيرة من الأقنعة (الجراحية والقماشية)، وصوتًا عاليًا، ما يزيد من كمية الرذاذ المطرود.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: A room, a bar and a classroom: how the coronavirus is spread through the air