Table of Contents
لنتخيل معًا مشهدًا دراميًا في غابة مطيرة كثيفة، ليس اليوم، بل قبل نحو 100 مليون عام. حيث الديناصورات تجوب الأرض، وفي الأسفل، عند مستوى أوراق الشجر، تدور معركة صامتة ومرعبة لا تقل وحشية عن افتراس الوحوش الكبيرة. نملة تسير ببطء، لكنها ليست مسيطرة على جسدها؛ ثمة كائن آخر يمسك بزمام الأمور، يوجهها نحو حتفها المحتوم لتصبح منصة إطلاق لحياة جديدة. لطالما أثارت «فطريات الزومبي» خيال كتاب الرعب وعشاق الخيال العلمي، لكن الأدلة الأحفورية الجديدة تؤكد أن قصة الرعب البيولوجية هذه أقدم بكثير مما كنا نتصور، وأنها تعود إلى زمن العصر الطباشيري.
جذور الكابوس في سجلات الأحافير
في كشف علمي مثير يعيد رسم تاريخ العلاقات الطفيلية بين الكائنات الحية، سلطت أبحاث حديثة الضوء على الأصول السحيقة للفطريات الممرضة للحشرات (Entomopathogenic fungi). ففي دراسة نشرتها «دورية الجمعية الملكية» (Proceedings of the Royal Society B)، قدم الباحث «تشوانغ» وفريقه أدلة دامغة من العصر الطباشيري تكشف كيف بدأت هذه الفطريات في تطوير استراتيجياتها الفتاكة للسيطرة على الحشرات منذ ما يقرب من 99 مليون سنة.
هذا الاكتشاف لا يأتي منفردًا، بل يتزامن مع ورقة بحثية أخرى نشرت في دورية «البيولوجيا الحالية» (Current Biology) لفريق بقيادة «ليبيكو»، تصف نملة من فصيلة «النمل الجحيمي» (Hell ant) المنقرضة، تم اكتشافها في البرازيل وتعود للعصر الطباشيري السفلي. هذه الأحافير تقدم لنا نافذة نادرة نطل منها على فصل مجهول من سباق التسلح التطوري بين الحشرات وطفيلياتها.
قبضة الموت: استراتيجية لا تتغير
ما يجعل هذه الاكتشافات مذهلة ليس فقط عمرها، بل الدقة المرعبة التي تعمل بها هذه الفطريات. الآلية التي نراها اليوم في غاباتنا الاستوائية تبدو وكأنها صدى لممارسات قديمة جدًا. عندما تصيب جراثيم الفطر جسد الحشرة، فإنها تخترق الهيكل الخارجي وتبدأ في التكاثر داخليًا، مستهلكة أنسجة الضحية بحذر لتبقيها حية لأطول فترة ممكنة.
ولعل أكثر المراحل إثارة للدهشة هي مرحلة التلاعب السلوكي؛ حيث يفرز الفطر مواد كيميائية تؤثر على الجهاز العصبي للحشرة، دافعًا إياها لتسلق النباتات والعض بقوة على ورقة شجر أو غصن فيما يعرف علميًا بـ «قبضة الموت». وقد أشار الباحثون، بمن فيهم ديفيد هيوز في دراسات سابقة تعود لعام 2011، إلى أن آثار العض هذه وجدت محفوظة على أوراق شجر متحجرة، مما يؤكد أن هذا السيناريو المعقد كان يُنفذ بحذافيره قبل ملايين السنين من ظهور البشر.
سباق تسلح عبر الزمن الجيولوجي
إن وجود هذه الفطريات المتخصصة في وقت مبكر جدًا من تاريخ تطور الحشرات يشير إلى أن العلاقة بين الطرفين أعمق مما كنا نظن. الفطريات لم تكن مجرد محللات للمواد العضوية، بل كانت مفترسات نشطة شكلت ضغطًا تطوريًا هائلًا على مجتمعات الحشرات القديمة.
الدراسات الحديثة تشير بوضوح إلى أن تنوع الفطريات الممرضة للحشرات في العصر الطباشيري كان بمثابة حجر الأساس الذي سمح بتطور العلاقات المعقدة التي نراها اليوم. فكما تطورت الحشرات لتصبح أكثر تعقيدًا واجتماعية، طورت الفطريات ترسانتها البيولوجية لاختراق حصون هذه المجتمعات، مما حول الغابات القديمة إلى ساحة اختبار لأعقد الأسلحة البيولوجية.
ماذا تخفي الغابات القديمة أيضًا؟
تفتح هذه الاكتشافات الباب واسعًا أمام تساؤلات جديدة حول بيئة العصر الطباشيري. إذا كانت فطريات الزومبي موجودة بهذه الكفاءة قبل 99 مليون عام، فما هي الطفيليات الأخرى التي كانت تتربص بالكائنات القديمة؟ وهل لعبت هذه الفطريات دورًا في انقراض بعض فصائل الحشرات القديمة مثل «النمل الجحيمي»؟
نحن أمام حقيقة علمية مذهلة: الطبيعة لا تحتاج إلى مؤلفي خيال علمي لابتكار قصص الرعب؛ فهي تمارسها ببراعة منذ ملايين السنين. وكلما تعمقنا في دراسة السجل الأحفوري، أدركنا أن الدراما البيولوجية التي نشهدها اليوم ليست سوى فصل جديد في مسرحية بدأت فصولها حين كانت الأرض كوكبًا مختلفًا تمامًا.