
نشرت مجلة “فورين بوليسي” (Foreign Policy) الأميركية مقالا تحليليا يحاول استشراف نمط الحكم الذي ستتبعه حركة طالبان، وإذا كان بإمكان الولايات المتحدة ودول التحالف الغربي التأثير في سلوك الحركة وحملها على تبني نهج ديمقراطي في أفغانستان.
ورأت ديشا جيرود، وهي أستاذة مساعدة في جامعة جورج تاون الأميركية، في مقالها بالمجلة أن الدول الغربية تملك اليد العليا في مساومة طالبان، وذلك نتيجة عدة عوامل؛ من ضمنها الضغوط التي واجهت بها استيلاء الحركة على حكم أفغانستان.
وقالت جيرود إنه في ظل ندرة التحليلات حول حركة طالبان، يحاول المراقبون التنبؤ بما إذا كانت الحركة ستسلك نهجا متسامحا أو لا، وإذا كان الغرب يستطيع الآن فعل أي شيء للتأثير على سلوكها. ورأت أن تصرفات طالبان في المستقبل كفيلة بالإجابة عن تلك الأسئلة، لكن حتى ذلك الحين يمكن من خلال الاسترشاد بالعلوم السياسية محاولة التنبؤ بها.
توطيد الحكم والحاجة للتمويل
وأشارت الكاتبة إلى أن القادة الجدد يميلون عادة إلى وضع البقاء والاستقرار السياسي في مقدمة أولوياتهم، خاصة في البلدان التي تعاني من ضغوط سياسية واقتصادية، إذ يكون خطر حدوث انقلاب على السلطة كبيرا.
ومن أجل ذلك يحتاجون إلى المال بسرعة لتعزيز سلطتهم، لتمويل شبكات موالية لهم وبناء القدرات العسكرية لردع الخصوم، وهزيمتهم إذا لزم الأمر، كما يحتاجون أيضًا إلى توفير التجهيزات اللازمة والإنفاق على حراس الأمن الشخصي، خشية التعرض لانقلاب من قبل الجيش.
وقالت إن المصادر التي يمكن للقادة الحصول على تلك الأموال من خلالها هي الموارد الطبيعية لبلدهم، أو من الجهات المانحة ذات المصالح الإستراتيجية في البلد.
وهناك خيار ثالث هو الحصول على التمويل من قبل المانحين من دون أن تكون لديهم مصلحة إستراتيجية في الحكومة، أي الحصول على مساعدة من مانحين يسعون لدعم الديمقراطية أو التنمية في البلد.
وأبرزت أن الخيارين الأولين لا يتوفران لحكومة طالبان، إذ إن الثروات الطبيعية لأفغانستان -التي تمتلك نحو تريليون دولار من الثروة المعدنية- لا تزال في باطن الأرض، وبالتالي ليست متاحة لحركة طالبان، كما لا توجد قوة عظمى لديها مصلحة إستراتيجية واضحة في أفغانستان باستثناء ضمان منع تحولها إلى قاعدة للإرهاب الدولي.
لذلك ترجح الكاتبة أن يشكل الخيار الثالث المتمثل في الحصول على المساعدات الأجنبية المشروطة بتعزيز الحريات والتنمية في البلد مخرجا للحركة من المأزق الاقتصادي.
ضغوط ومؤشرات
وتقول جيرود إن هناك مؤشرات على تغير سلوك الحركة خلال السنوات الأخيرة، إذ يشير الخبراء إلى أن “سياساتها استندت إلى الضرورات العسكرية والسياسية” في بعض المجتمعات، وسمحت طالبان للفتيات بمواصلة الدراسة في بعض البلدات، كما سمحت للمنظمات غير الحكومية بتقديم الخدمات الأساسية، لأن ذلك يسهم في تعزيز الدعم المحلي للحركة.
وأوضح المقال أن أميركا ودول التحالف تدرك أنها تملك أوراقا رابحة لمساومة طالبان، واستعرض بعض الضغوط التي مارسها الغرب على الحركة منذ سيطرتها على الحكم، ومن بينها تجميد الاحتياطات الأجنبية لأفغانستان من قبل وزارة الخزانة الأميركية، وإعلان رئيس الوزراء الكندي أن بلاده لا تنوي الاعتراف بطالبان رسميًّا.
كما أوقف حلف شمال الأطلسي (ناتو) مساعداته لأفغانستان، وعلق صندوق النقد الدولي احتياطات الطوارئ التي كان يلتزم بها لأفغانستان، إضافة إلى تعليق البنك الدولي مساعداته لكابل.
ومما يبرهن على قوة موقف الغرب -حسب للكاتبة- وجهت طالبان قادتها بأن يتصرفوا بمسؤولية خلال الحكم عندما استولت على السلطة، معللة ذلك بأنهم “مراقبون” على الأرجح من قبل الأفغان الخاضعين لسيطرتهم، ومن قبل الأفغان الذين لم يخضعوا لسيطرتهم بعد، ومن قبل الجهات الأجنبية التي سيكون عليها أن تقرر إذا كانت ستعترف بالحركة أو لا، وإذا كانت ستدعمها.
ومن المؤشرات الأخرى التي ساقها المقال دليلا على تغير في سلوك الحركة أن طالبان لم تعلن حكومة من جانب واحد بعد سيطرتها على الحكم، وبدل ذلك اجتمعت مع بعض خصومها؛ كالرئيس السابق حامد كرزاي، وبدل قتل المدنيين حاولت طالبان طمأنتهم، كما أعلنت العفو عن المسؤولين الحكوميين السابقين، وطالبتهم بالعودة إلى العمل.
وخلص المقال إلى أنه ينبغي للقوى الغربية التعامل مع الحركة بحذر، لكن عليها أن تعي تماما النفوذ الذي تملكه لتشجيع طالبان على أن تكون حركة أكثر “اعتدالًا وشمولية”.
