فوز تتار برئاسة قبرص الشمالية.. تعزيز لنفوذ تركيا ودعم لموقفها في صراع شرق المتوسط
[wpcc-script type=”061186ba8496e9f8587f688b-text/javascript”]

إسطنبول – “القدس العربي”: تنفست الأوساط السياسية في تركيا الصعداء مع الإعلان عن فوز المرشح القومي أرسين تتار في انتخابات رئاسة جمهورية شمال قبرص التركية وذلك بعدما حبست أنفاسها لأسابيع لمعرفة نتيجة الانتخابات التي تأجل الحسم فيها للجولة الثانية وكانت يمكن أن تشكل ضربة للدور التاريخي لتركيا في قبرص وتقلب موازين القوى ضد أنقرة في صراع شرق المتوسط.
وعلى الرغم من الصورة العامة الشائعة بوجود إجماع شعبي ورسمي في قبرص الشمالية على دعم تركيا الدولة الوحيدة في العالم التي تعترف بالجمهورية الشمالية، إلا أن الأمر كان مختلفاً هذه المرة مع اتخاذ الرئيس السابق مصطفى أقنجي الذي بات يطلق في الأشهر الأخيرة تصريحات حادة ضد تركيا مواقف سياسية تخالف التوجهات التركية فيما يتعلق بمستقبل الجزيرة والعلاقة مع أنقرة وأثينا وصراع شرق المتوسط.
ودعمت تركيا بكافة الطرق أرسين تتار من أجل الفوز في الانتخابات القبرصية، ورغم فشله بالحسم منذ الجولة الأولى بسبب وجود 10 مرشحين في الانتخابات، نجح تتار في الفوز على خصمه الرئيس الحالي مصطفى أقنجي بفارق لم يتجاوز الـ2٪ بحسب النتائج الرسمية غير النهائية، ما يظهر قوة المنافسة والفارق الضئيل الذي كان يمكن أن يقلب النتيجة لصالح أقنجي ويبعثر حسابات أنقرة في قبرص وشرق المتوسط.
وأرسين تتار (60 عاماً) زعيم قومي يؤيد حل الدولتين للأزمة القبرصية ولديه علاقات وثيقة مع المسؤولين الأتراك وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب أردوغان على عكس مصطفى أقنجي (72 عاماً) الذي يتبنى توجهات اشتراكية ويؤيد حل الدولة الاتحادية للأزمة القبرصية ويدعو لتخفيف ارتباط قبرص الشمالية بتركيا.
وفي الأشهر الأخيرة، وجه أقنجي انتقادات حادة لتركيا واتهامات مختلفة بالتدخل بالحياة السياسية الداخلية للقبارصة الشماليين وعارض الرؤية التركية للحل لمستقبل الجزيرة كما اتهم أنقرة بالتدخل في الانتخابات، بالإضافة إلى توجيهه انتقادات للسياسة التركية في ملفات أخرى كان أبرزها انتقاده عملية “نبع السلام” التي نفذها الجيش التركي شمالي سوريا، وهو ما ولد حالة غير مسبوقة من الغضب والاستنكار في الشارع التركي.
وكانت تركيا تخشى أن يؤدي فوز أقنجي إلى بقائه في السلطة على مدى السنوات المقبلة وهو ما سيؤدي بدوره إلى تعزيز التعاون بين أقنجي والدول الأوروبية من أجل تعزيز رؤيته للحل السياسي لتوحيد قبرص وتبادل الأراضي بعيداً عن الرؤية التركية وما سيترتب على ذلك من تعاون غربي من أجل إضعاف النفوذ التركي هناك وصولاً لمحاولة أثارت تحركات سياسية مختلفة ضد التواجد العسكري التركي في قبرص الشمالية وطرح مستقبله وتقليص التعاون الوثيق مع أنقرة.
هذا المشهد كان سيؤدي بطبيعة الحال إلى إضعاف موقف تركيا في صراع شرق المتوسط بشكل كبير جداً وسيظهر أنقرة أنها لا تدافع عن مطالب القبارصة الأتراك وإنما تدافع عن مصالحها فقط وكانت ستفقد أنقرة قاعدة متقدمة عسكرياً وسياسياً في شرق المتوسط وسيتراجع موقفها التفاوضي بعد أن كانت أنقرة ترى في تحركاتها حماية مشتركة لحقوق تركيا والقبارصة الشماليين.
ووصلت المخاوف من فوز أقنجي حد طرح خيارات صعبة للتعامل التركي مع قبرص، وحذر كتاب أتراك من أن أنقرة ربما لن تجد حلاً آخر غير إجراء استفتاء وضم الجزء الشمالي من الجزيرة إلى جمهوريتها في حال هدد أقنجي التواجد التركي هناك، رغم ما تحمله هذه الخطوة من مغامرة على الصعيد الدولي.
لكن فوز أقنجي أزال كل هذه الهواجس والتخوفات التركية، وعلى العكس تماماً يتوقع أن يفتح أقنجي الباب واسعاً أمام تعزيز التعاون بين البلدين في كافة المجالات والحفاظ على النفوذ التركي سياسياً وعسكرياً في قبرص، ما يعني إمكانية إنشاء مزيد من القواعد العسكرية البحرية والجوية التركية هناك لتعزيز خطوط الدفاع التركية المتقدمة في شرق المتوسط.
كما أن فوز أقنجي وتقاربه مع تركيا وبالتزامن مع رؤيته التي تدعم الانفصال وتشكيل دولة مستقلة للقبارصة الشماليين كحل نهائي لأزمة الجزيرة قد يفتح الباب أمام مساع دبلوماسية واسعة لمحاولة بدء أنقرة بحراك لحشد اعترافات بعض الدول بالجمهورية الشمالية أو طرح خيارات أخرى تتعلق بالفدرالية مع تركيا، بعد أن كان البعض يخشى أن تضطر أنقرة لخيارات صعبة كضم الجزيرة لحماية مصالحها هناك في حال فوز أقنجي.
وفي خطاب الفوز، أعرب تتار عن شعوره بالفخر والاعتزاز إزاء التحرك “مع تركيا التي وقفت دوماً بجانب القبارصة الأتراك، وأرسلت أبناءها إلى أراضينا وقدمت الشهداء هنا”، مؤكداً أن “أيّة قوة خارجية لن تتمكن من فصل الجمهورية التركية عن قضايا القبارصة الأتراك باعتبارهم شعباً واحداً في دولتين”.
وهنأ أردوغان تتار بفوزه في الانتخابات الرئاسية، وأعرب عن أمله في أن يكون فوز تتار “بادرة خير له وللشعب وللقضية القبرصية”، مضيفاً: “قبرص التركية تحت رئاسة تتار ستواصل نضالها من أجل الحقوق والعدالة بثقة ونجاح”، معرباً عن ثقته في مواصلة التعاون بجميع المجالات مع جمهورية شمال قبرص التركية تحت قيادة تتار.