Table of Contents
تخيل أن تمتلك مفاتيح كنز علمي قادر على إنقاذ آلاف الأرواح، لكنك ممنوع من استخدامه بسبب توقيع بيروقراطي مفقود. هذا ليس مشهداً من رواية عبثية، بل هو الواقع المرير الذي تعيشه ميغان موري، عالمة الوبائيات والأمراض المعدية في جامعة هارفارد. فبينما تقبع عيناتها البحثية الثمينة في مجمدات العاصمة البيروفية ليما، تجد موري نفسها عالقة في “منطقة رمادية” غريبة؛ فهي تمتلك منحة بحثية نظرياً، لكنها عاجزة عن إنفاق دولار واحد منها فعلياً. هذه الحالة الفردية ليست سوى رأس جبل الجليد في معركة سياسية طاحنة تدور رحاها الآن بين الإدارة الأمريكية والمؤسسات الأكاديمية العريقة، وتهدد بنسف عقود من التقدم في الأبحاث الطبية الحيوية.
عندما تصبح المختبرات ساحة معركة سياسية
لم يكن عام 2025 عاماً عادياً بالنسبة للوسط الأكاديمي الأمريكي. فقد تحولت جامعة هارفارد، أيقونة التعليم العالي، إلى هدف مباشر لحملة تقودها إدارة الرئيس ترامب لإعادة تشكيل التعليم العالي وفق أجندة سياسية جديدة. في خطوة غير مسبوقة، جمدت الإدارة ما يقارب 2.2 مليار دولار من منح المعاهد الوطنية للصحة (NIH) المخصصة لباحثي هارفارد، متذّرعة بفشل الجامعة في حماية الطلاب وأعضاء هيئة التدريس مما وصفته بـ “معاداة السامية”، فضلاً عن اتهامات الرئيس للجامعات بترويج أيديولوجيات وصفها بـ “اليسارية والمناهضة لأمريكا” عبر منصته “تروث سوشيال”.

وجدت موري نفسها، دون سابق إنذار، في قلب هذه العاصفة. فبين شهري أبريل وأكتوبر، توقف تدفق الأموال تماماً. ورغم أن القضاء الفيدرالي تدخل لاحقاً واعتبر تجميد التمويل انتهاكاً لحقوق التعديل الأول للدستور المتعلقة بحرية التعبير، إلا أن تداخل هذا التجميد مع الإغلاق الحكومي وضع الباحثين في مأزق مالي خانق. تقول موري واصفة هذا الوضع السريالي: “من الغريب أن منحتي لم تُلغَ، لكنني لا أستطيع المساس بها”. والنتيجة؟ شلل تام يهدد أبحاثاً تطلبت سنوات من الجهد لبنائها.
بيرو: مختبر العالم المفتوح لدراسة السل
لفهم فداحة الخسارة المحتملة، يجب أن ننظر جنوباً نحو بيرو. هناك، تقود موري تحالفاً علمياً ضخماً لدراسة مرض السل (Tuberculosis)، وهو القاتل الصامت الذي لا يزال يفتك بالملايين. تكتسب هذه الأبحاث أهمية استثنائية في بيرو، حيث سجلت البلاد إصابة 173 شخصاً من كل 100,000 بمرض السل في عام 2023، مقارنة بـ 3 إصابات فقط لكل 100,000 في الولايات المتحدة. هذا المعدل المرتفع يجعل من بيرو بيئة مثالية لفهم أنماط العدوى وعوامل الخطر التي يصعب رصدها في الدول المتقدمة.

يشير ريتشارد تشايسون، طبيب الأمراض المعدية في كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز، إلى أن “كل ما نتعلمه هناك، نستخدمه هنا”. ولعل أبرز دليل على ذلك هو تفشي مرض السل في ولاية كانساس الأمريكية عام 2024، حيث استخدم الأطباء أدوات تشخيص وعلاج طُورت واختُبرت في الأصل خارج الولايات المتحدة بفضل هذه المنح البحثية. إن توقف هذا العمل لا يعني فقط ضياع بيانات أكاديمية، بل يعني فقدان أدوات حيوية للأمن الصحي العالمي.
سباق مع الزمن لإنقاذ العينات البيولوجية
داخل حاوية شحن معدلة تحولت إلى مختبر متطور في ليما، ترقد عينات لا تقدر بثمن: دماء، ولعاب، وعينات بكتيرية جُمعت من آلاف المشاركين على مدار سنوات. هذه العينات هي حجر الزاوية لدراسة تهدف لفهم الضرر الرئوي طويل الأمد الذي يعاني منه 50% من المتعافين من السل. لكن المختبر، الذي تديره منظمة “Socios En Salud” الشريكة لهارفارد، يواجه خطر الإغلاق.
خصصت منحة موري التكميلية مبلغ 400,000 دولار لهذا العمل في بيرو، لكن تعذر صرفها يعني عدم القدرة على دفع فواتير الكهرباء للمجمدات أو رواتب الباحثين المحليين. تحذر موري بمرارة: “لدينا مجمدات مليئة بعينات نادرة للغاية، وتشغيلها يكلف مالاً”. إذا فُقدت هذه العينات، أو إذا سُرح الفريق البحثي الذي دُرب لسنوات، فإن إعادة بناء هذا المشروع ستكون شبه مستحيلة، وستضيع فرصة ذهبية للتنبؤ بمن هم عرضة لتلف الرئة الدائم.
وثيقة “الولاء” ومستقبل الاستقلال الأكاديمي
لا يقتصر التهديد على هارفارد وحدها. فقد أرسلت الإدارة الأمريكية ما سمي بـ “وثيقة الامتياز الأكاديمي” إلى الجامعات، مشترطة الموافقة على بنود مثيرة للجدل—مثل إلغاء برامج التنوع والشمول (DEI) وتحديد الجنس وفق خصائص بيولوجية صارمة—مقابل الحصول على أولوية في التمويل. وفي حين رضخت بعض الجامعات مثل كولومبيا وبراون للتسويات، اتخذ معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) موقفاً حازماً بالرفض، مؤكداً أن “التمويل العلمي يجب أن يعتمد على الجدارة العلمية وحدها”.
يحذر ستيفن كاربنتر، الباحث في جامعة كيس ويسترن ريسيرف، من أن هذه السياسات قد تؤدي إلى “نزيف عقول” حاد، حيث قد يهاجر العلماء الموهوبون إلى أوروبا أو الصين بحثاً عن بيئة بحثية مستقرة. وعلاوة على الخسارة العلمية، هناك ثمن اقتصادي باهظ؛ فكل دولار تنفقه المعاهد الوطنية للصحة يولد نشاطاً اقتصادياً يقدر بـ 2.56 دولار. ومع التخفيضات المقترحة، قد تتبخر 40% من هذه العوائد الاقتصادية، مما يوجه ضربة مزدوجة للابتكار والاقتصاد الأمريكيين معاً. في خضم هذه المعمعة، تبقى موري وفريقها يحاولون التمسك بالأمل، باحثين عن مانحين خواص لإبقاء أضواء المختبر مضاءة، في انتظار أن تنجلي غمة السياسة عن سماء العلم.