مصطفى أكيول* – (فورين بوليسي)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تواجه الديانات الرئيسية في العالم اختباراً، ويفشل بعض الزعماء الدينيين في هذا الاختبار بتعريضهم حياة الناس للخطر باسم التمسك بالتقاليد -والإيذان بقدوم عصر جديد من العلمانية في الأثناء.

  • * *
    يغلب أن تكون جائحة فيروس كورونا حدثاً فاصلاً في تاريخ العالم، وأن تكون سبباً في إحداث تأثيرات عميقة على المجتمع والسياسة والأديان. ويمكن للمرء أن يتوقع ظهور حركات مسيحانية جديدة، على سبيل المثال؛ حيث يدعي البعض أن الوباء هو علامة على اقتراب نهاية العالم، كما يعتقد بعض الناس مُسبقاً. وعلى العكس من ذلك، قد يفقد بعض المؤمنين إيمانهم بينما يناضلون مع “مشكلة الشر” القديمة -لماذا يسمح الله لكل هذا بأن يحدث- ولا يجدون إجابة جيدة لها، كما يعترف البعض صراحة.
    كما سينظر العديد من المتدينين إلى الوباء أيضاً على أنه اختبار. وهم محقون في ذلك تماماً: إن جائحة فيروس كورونا هي اختبار رئيسي لجميع الأديان. ولكنه ليس اختباراً لمعتقداتها فحسب، كما يعتقد كثير من المؤمنين. إنه أيضاً اختبار لمنطقها -لما إذا كانت تتصرف بعقلانية أو بضدها، وما إذا كانت تساعد على إنقاذ الأرواح أم أنها تقوم بتعريضها للخطر الجسيم.
    ثمة، في صميم هذا الاختبار، تضارب بين المتطلبات العقلانية للصحة، وبين المتطلبات التقليدية للدين. ويتطلب السلوك العقلاني الذي يراعي الصحة في مواجهة الوباء، كما نصح به جميع الخبراء الطبيين تقريباً، ممارسة التباعد الاجتماعي -أي أن يبقى الناس بعيدين عن بعضهم بعضا، ويُفضل أن يكونوا في المنزل. ومع ذلك، تتطلب معظم التقاليد الدينية تجمعاً اجتماعياً -وخاصة جلب المؤمنين إلى الكنائس والمساجد والكنس والمعابد. وإذن، أي من هذه المبادئ هو الذي يجب أن يأتي أولاً؟
    لا ينبغي أن يكون العثور على الإجابة الصحيحة صعباً، كما فعل العديد من الزعماء الدينيين والمجتمعات فعلاً منذ ظهور الوباء في أواخر شباط (فبراير). فقد ردت الكنيسة الكاثوليكية، على سبيل المثال، على التفشي القاتل في إيطاليا في أوائل آذار (مارس) بتعليق جميع خدمات الكنيسة المجتمعية، “بالتنسيق والتوافق مع الإجراءات التي اتخذتها السلطات الإيطالية”. وبعد ذلك بوقت قصير، صلى البابا فرنسيس أمام ساحة القديس بطرس الفارغة الآن بشكل مذهل، والتي تمتلئ عادة بحشود ضخمة. كما دعا حكومات العالم إلى مراعاة مبدأ “الناس أولاً”، واتخاذ جميع الإجراءات ضد “إبادة جماعية فيروسية سريعة الانتشار”.
    وبالمثل، اتخذت السلطات السعودية، التي كانت استجاباتها للكوارث في بعض الأحيان تنطلق من موقف قدَري بشكل غير عقلاني، الخطوة الصحيحة في أوائل آذار (مارس) حين قامت بإغلاق الحرمين الشريفين في مكة والمدينة، اللذين كانا يمتلئان دائماً بالمصلين. وأقنعت مشاهدة الصور المذهلة لمحيط الكعبة الفارغ العديد من المسلمين حول العالم بأن شيئاً غير مسبوق حقاً يحدث الآن. وفي العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة، تم إلغاء الصلوات الجماعية في دولة تلو الأخرى. وحتى الدعوة إلى الصلاة الصادرة من مكبرات الصوت في المساجد، والتي تتضمن عبارات، “حي على الصلاة، حي على الفلاح”، أعيدت صياغتها في الكويت لتقول “صلوا في بيوتكم”.
    وفي الأوساط اليهودية الأرثوذكسية المتشددة، قام العديد من الحاخامات أيضاً بالشيء الصحيح من خلال إلغاء خدمات الكنيس وتذكير مجتمعاتهم بأن “التزام التوراة بحماية قدسية الحياة يتجاوز جميع الاعتبارات الأخرى”، كما فعل كبير الحاخامات في بريطانيا متحدثاً إلى يهود البلد. كما تم إغلاق العديد من المعابد الهندوسية في الهند. وفي تايلاند، وهي واحدة من الدول الأكثر تضرراً من الوباء في جنوب شرق آسيا، بدأ بعض الرهبان البوذيين في إنتاج أقنعة الوجه من البلاستيك المعاد تدويره.
    ومع ذلك، لم يتخذ جميع الزعماء الدينيين والمجتمعات المحلية مثل هذه الاحتياطات العقلانية ضد الوباء -حتى أن بعضهم رفضها واستبعدها تماماً، باسم الدين.
    أحد هؤلاء كان رودني هوارد براون، راعي الكنيسة الإنجيلية الكبيرة في فلوريدا، الذي تحدّى الأوامر العامة للولاية بالتباعد الاجتماعي، مدعيا أن كنيسته هي “المكان الأكثر أمانًا”. (سرعان ما تم إلقاء القبض عليه بسبب فعل ذلك). وثمة آخر، هو جيري فالويل جونيور، الذي رفض الاستجابة الوطنية للوباء واصفاً إياها بأنها “رد فعل مبالغ فيه” وأعاد فتح جامعة ليبرتي بعد عطلة الربيع. (بعد فترة وجيزة، سجل العديد من الطلاب نتائج إيجابية في فحوصات الإصابة بفيروس كورونا). وهناك زعيم مسيحي متهور آخر، هو القس مجدي علاوي من الكنيسة الكاثوليكية المارونية في لبنان، والذي ذُكر أنه رفض إجراءات الحماية مثل ارتداء الأقنعة واستخدام معقم اليدين. وقال: “يسوع هو حمايتي. وهو مطهري”.
    وكانت بعض المجتمعات اليهودية المتشددة متهورة بشكل خطير هي أيضاً. في حي بروكلين في نيويورك، تجاهل العديد من أفراد مجتمع الهاسيديك تعليمات التباعد الاجتماعي وتجمعوا في احتفالات البوريم وحفلات الزفاف الدينية والجنازات بينما كان الفيروس يغلق المدينة في آذار (مارس). وسرعان ما أظهر العديد من تلك المجتمعات معدلات عالية من الإصابة بفيروسات كورونا. وفي إسرائيل، قاوم بعض القادة اليهود الأرثوذكس اشلمتطرفين دعوات الحكومة لإغلاق المدارس الدينية؛ حيث يدرس الطلاب النصوص الدينية، وظلوا يصرون على أن “إلغاء دراسة التوراة هو أكثر خطورة من فيروس كورونا”.
    ونتيجة لذلك، أصبح أرثوذكس إسرائيل المتدينين المتطرفين، الذين يشكلون حوالي 10 في المائة من مجموع السكان في البلد، يمثلون نصف جميع الإسرائيليين الذين دخلوا المستشفيات بسبب الإصابة بفيروسات كورونا.
    وفي العالم الإسلامي أيضاً، كانت هناك ردود فعل ساذجة بشكل كارثي تجاه الوباء. وإحدى الحالات الأكثر درامية هي حالة “جماعة التبليغ”، وهي حركة دعوية سنية مقرها الهند وتضم ما يصل إلى 80 مليون عضو حول العالم. وعلى الرغم من كل التحذيرات، أقام أعضاء هذه الجماعة تجمعات ضخمة استمرت على مدى أيام، أولاً في كوالالمبور في ماليزيا، ثم في نيودلهي في الهند، وسرعان ما أثبتوا أنهم “موزِّعون فائقون” للفيروس في جنوب وجنوب شرق آسيا. (دفعت الحادثة بعض القوميين الهندوس إلى إثارة نزعات الكراهية الدينية وإلقاء اللوم على المسلمين في “# جهاد كورونا”، الذي أصبح وسماً شائعاً على “تويتر”. لكن هذه لم تكن مؤامرة خبيثة -تماماً مثل حالة كنيسة يسوع في شينشيونجي في كوريا الجنوبية، والتي عمل أتباعها أيضًا موزعين فائقة للفيروس- كان ذلك مجرد تهور وإهمال كارثي).
    في العالم السني والشيعي السائد، قامت معظم الحكومات باتخاذ احتياطات عقلانية لمواجهة الوباء، وإنما في وقت متأخر في كثير من الأحيان، وعلى الرغم من مقاومة المؤمنين الأكثر تزمتاً. في إيران، وهي واحدة من الدول الأكثر تضرراً من الوباء، عندما حظرت السلطات أخيراً على الناس زيارة الأضرحة الشيعية المقدسة، قامت حشود غاضبة باجتياح هذه المزارات بأعداد هائلة. وفي باكستان؛ حيث رفض معظم رجال الدين الحد من التجمعات في المساجد، قام المصلون الغاضبون برجم رجال الشرطة الذين حاولوا تفريق الحشود من صلاة الجمعة بالحجارة.
    وفي المملكة المتحدة، قاوم بعض العلماء المسلمين المحافظين أيضاً إغلاق المساجد. وأقامت فتوى صدرت في 17 آذار (مارس)، والتي وقع عليها ثلاثة منهم، القضية بالتذكير بـ”ممارسة النبي المتمثلة في الاندفاع إلى المسجد أثناء المصائب والأحداث الجسيمة”، مع تجاهل تام للنوع المحدد من المصائب التي تشكلها فيروسات كورونا. كما طرحوا أيضاً حجة قاتمة: “إن حفظ الدين مُقدَّم على حفظ النفس”. ولحسن الحظ، أصدر علماء آخرون فتاوى مضادة، مذكرين بأن الإسلام لا يأمر أبداً بأن “يعرض الناس حياتهم للخطر” فقط لمجرد الصلاة -لكن بعض الضرر ربما يكون قد وقع مُسبقاً.
    تأتي الشخصيات الدينية التي تفشل في اختبار فيروس كورونا من خلفيات وتقاليد متنوعة، لكن لديهم شيء مشترك: إنهم يعطون لتأويلهم الذاتي للإيمان الأولوية على المتطلبات الموضوعية للعلم والعقل.
    إنهم يعتقدون أنه حتى لو حدث شيء خطير حقاً، فإن الله سيحميهم بطريقة ما بفضل تقواهم. ويقول أحد أساتذة اللغة العربية في مصر: “إن الصلاة لله هي طريقنا الوحيد للخروج من هذه المحنة”. أو أنهم يعتقدون أن الله هو “درعُنا”، كما أكد يهودي متشدد في بروكلين. وهذا قريب الشبه لشخص يقفز من طائرة محلقة من دون مظلة، ويقول: “الله هو مظلتنا”. إنه نوع من الإيمان الأعمى الذي طالما انتقده ملحدون بارزون مثل ريتشارد داوكينز أو سام هاريس.
    يصبح الإيمان الأعمى أكثر قبحاً عندما يبدأ في تبني نظريات المؤامرة الإلهية -فكرة أن الله يستخدم هذا الوباء لمعاقبة مجموعة معينة من الناس، وهم عادة الأشخاص الذين لا يحبهم منظّرو المؤامرة الإلهية: المثليون والبيئيون، وفقاً لقس إنجيلي أميركي؛ أولئك الذين يمارسون “الزنا واللواط”، وفقاً لمحافظ تركي؛ الصينيون، كما اقترح بعض رجال الدين المسلمين في البداية؛ اليهود، كما ادعى قس معادٍ للسامية في فلوريدا؛ أو الدول الغربية، كما أكد إمامٌ في غزة. وتشير حقيقة أن بعض هذه الشخصيات المتعصبة نفسها تصاب بالفيروس إلى أنها لا توجد مؤامرة إلهية -وإنما ربما تقمُّص للألوهية.
    إذا ما استمرت هذه المواقف غير العقلانية والقبيحة في تكدير صفو المشهد الديني، فإن وباء فيروس كورونا قد يؤدي إلى لحظة علمانية، مثل تلك التي يستشرفها الأكاديمي التركي جوخان باسيك مسبقاً في العالم الإسلامي. ولعل أقرب شبه تاريخي هو زلزال لشبونة العظيم في العام 1755، الذي قتل فيه ما يصل إلى 50.000 شخص وحطم الروايات الكاثوليكية الخارقة للطبيعة في تلك الحقبة.
    على الرغم من ميل رجال الدين إلى ربط الكوارث الطبيعية بالخطايا، حدث زلزال لشبونة في يوم جميع القديسين، بالضبط عندما كانت الكنائس مليئة بالمصلين الذين مات الكثير منهم. وقد ألهمت هذه الدراما مفكري التنوير مثل إيمانويل كانط، الذي دافع عن التفسيرات العلمية للظواهر الطبيعية، وفولتير، الذي أخذ الدرس العلماني وحوَّله إلى شغف مناهض للدين.
    لتجنب ما سيظهر للكثيرين على أنه فشل كارثي آخر في رؤيتهم للعالم، يجب على الزعماء الدينيين في جميع أنحاء العالم أن يجمعوا الآن عملهم معاً في مواجهة جائحة فيروسات كورونا. وهذا يعني اتباع جميع المتطلبات العقلانية للعلوم، مع تقديم الإيمان كمصدر للأمل والإلهام -لا كبديل للعقل، وإنما كمكمّل له.
    وبالنسبة للمسلمين -وغيرهم من المؤمنين من جميع الأديان- قد تساعد قصة بسيطة من حياة النبي محمد.
    رُوي أن رجلاً جاء إلى النبي ومعه ناقته فقال: “يا رسول الله، أعقلها وأتوكل، أم أتركها وأتوكل؟ فقال له النبي: اعقلها، وتوكل”.
    اليوم، يعني ربط الناقة ارتداء قناع الوجه، وغسل يديك كثيراً بالصابون، والحفاظ على بعدك عن الآخرين، والتخلي عن العبادة الجماعية من أجل حماية حياة الإنسان مثلما يأمر إله جميع الأديان التوحيدية. وهذا يعني الانتباه إلى جميع القوانين الطبيعية والحقائق البيولوجية للعالم المعقد الذي خلقه الله. ولن يكون فعل أي شيء أقل من ذلك كارثياً على حياة البشر فحسب، وإنما على مستقبل الدين نفسه أيضاً.

*كبير زملاء معهد كاتو، حيث يركز على التقاطع بين السياسة العامة والإسلام والحداثة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Thou Shalt Practice Social Distancing