Table of Contents
لطالما داعبت خيالاتنا مشاهدُ السحرة في سلسلة “هاري بوتر” وهم يلوّحون بعصيهم السحرية لرفع الأشياء الثقيلة في الهواء بتمتمات بسيطة، أو أبطال “مارفل” وهم يتلاعبون بالجاذبية وكأنها محض اقتراح لا قانون فيزيائي صارم. لكن، بعيداً عن شاشات السينما وصفحات الروايات، تمتلك الفيزياء في عالمنا الواقعي “تعاويذها” الخاصة. إنها ليست سحراً، بل هي قوى الطبيعة الثلاث: الصوت، والمغناطيسية، والكهرباء، التي يمكنها جميعاً خلق قوى رفع قادرة على قهر الجاذبية الأرضية، وإن كان ذلك بشروط قد تكون أحياناً أقرب للمستحيل عند تطبيقها على البشر.

الرقص على أوتار الصوت
قد يبدو الأمر غريباً، ولكن الصوت يمتلك قوة ميكانيكية حقيقية. تعتمد أجهزة “الاسترفاع الصوتي” (Acoustic Levitation) على موجات اهتزازية لإبقاء الأجسام معلقة في الهواء. عادةً ما تطلق هذه الآلات موجات فوق صوتية بترددات عالية جداً لا يمكن للأذن البشرية سماعها. تخلق هذه الموجات مناطق متناوبة من ضغط الهواء العالي والمنخفض؛ حيث تقوم المناطق “الصاخبة” بدفع الأجسام وحصرها في جيوب من الهدوء النسبي، مما يؤدي إلى تعليقها في الهواء.
لكن هذه التقنية لها حدودها الصارمة؛ فهي تعمل بكفاءة مذهلة مع الأجسام الصغيرة والخفيفة جداً، مثل خرزات “الستايروفوم” أو قطرات السوائل. ولكن ماذا عن رفع جسم بحجم الإنسان؟ هنا تتحول الفيزياء إلى كابوس لوجستي.
هل يمكننا التحليق بقوة الموسيقى؟
يرى لوك كوكس، المهندس الميكانيكي ومدير شركة “إمبولسونيكس” في بريستول بإنجلترا، أن رفع الأجسام الكبيرة يتطلب موجات صوتية أطول ذات ترددات منخفضة للغاية. ولرفع إنسان، يقدر كوكس أننا بحاجة لموجات صوتية بتردد 275 هرتز (مشابهة لترددات غيتار البيس) وطول موجي يبلغ 1.25 متر.
المشكلة ليست في النغمة، بل في الطاقة. لكي تنجح هذه الموجات في حمل وزن بشري، يجب أن يكون الصوت صاخباً ومدمراً لدرجة تتطلب طاقة تعادل نتاج محطة طاقة نووية كاملة. ويضيف كوكس بنبرة تحذيرية: “حتى لو تمكنا من تأمين هذه الطاقة، سنحتاج لدرع حراري هائل، لأن الحرارة الناتجة عن هذا الصوت الصاخب ستكون كفيلة بإذابة وجه أي شخص يحاول التحليق حرفياً”.
الضفدع الطائر والمغناطيس العملاق
إذا كان الصوت خطيراً، فإن المغناطيسية تقدم حلاً أكثر استقراراً، وهو المبدأ الذي تعتمد عليه قطارات “الماجليف” (Maglev) التي تطفو فوق قضبانها. ولكن رفع قطار مصمم بمغناطيسات خاصة شيء، ورفع كائنات حية لا تمتلك خصائص مغناطيسية شيء آخر تماماً.
ومع ذلك، فالأمر ليس مستحيلاً. فالعديد من المواد التي تبدو غير مغناطيسية، بما في ذلك الماء والبروتينات (المكونات الأساسية للكائنات الحية)، تمتلك خاصية تُعرف بـ “المغناطيسية المعاكسة” (Diamagnetism). عند وضع هذه المواد في مجال مغناطيسي قوي جداً، فإنها تتنافر معه بشكل ضعيف، مما يولد قوة رفع.
في تجربة شهيرة عام 1997، استغل العلماء هذه الخاصية لرفع ضفدع حي داخل تجويف ملفات سلكية ولّدت مجالاً مغناطيسياً قوته 16 تسلا — أي أقوى بحوالي 10 أضعاف من المغناطيسات المستخدمة في ساحات الخردة لرفع السيارات. وقد خرج الضفدع من رحلة الطيران هذه سليماً معافى.
لتطبيق هذا المبدأ على البشر، قدّر أحد الباحثين المشاركين في تجربة الضفدع أننا سنحتاج لمجال مغناطيسي بقوة 40 تسلا، يستهلك حوالي 1 غيغاواط من الطاقة — وهو ما يعادل نصف إنتاج سد هوفر العظيم. إنها طاقة هائلة، ولكنها نظرياً ممكنة.
كهرباء العناكب ومستقبل الاسترفاع
بعيداً عن الآلات الضخمة، طورت الطبيعة طريقتها الخاصة. تستخدم بعض العناكب ما يعرف بـ “التحليق بالبالون” (Ballooning)، حيث تشحن خيوط حريرها كهربائياً لتستفيد من المجال الكهربائي للأرض، مما يسمح لها بركوب الرياح والتحليق لكيلومترات في السماء.
يوضح إيغور بارغاتين، الفيزيائي بجامعة بنسلفانيا، أن هذه الطريقة حصرية للأجسام الدقيقة. فلو حاول الإنسان تجميع شحنة كهربائية كافية لرفعه بهذه الطريقة، فإنه سيحول نفسه إلى مانعة صواعق بشرية، جاذباً البرق والحروق القاتلة قبل أن ترتفع قدماه عن الأرض.
في النهاية، قد لا نتمكن قريباً من الطيران مثل الأبطال الخارقين دون أضرار جانبية مميتة، لكن تقنيات الاسترفاع هذه تجد طريقها لتطبيقات علمية مذهلة؛ بدءاً من التعامل مع العينات المختبرية الحساسة دون لمسها لتجنب التلوث، وصولاً إلى تطوير محركات تدور بسرعات خيالية دون احتكاك.