Table of Contents
لعلها المشهد الأكثر تكراراً ومأساوية في المطابخ حول العالم: الشروع في إعداد وجبة شهية ينتهي بذرف دموع غزيرة وحرقة في العينين بمجرد ملامسة السكين لحبة بصل. لطالما اعتبر الطهاة الهواة والمحترفون هذه الظاهرة ضريبة لا مفر منها للنكهة، لكن الفيزياء الحديثة تقدم اليوم حلاً جذرياً لا يعتمد على الحيل الشعبية القديمة، بل على فهم ديناميكيات السوائل المجهرية.
عندما تلتقي الفيزياء بفنون الطهي
بدأت القصة بملاحظة عرضية في جامعة كورنيل، عندما كان نافيد هوشانغينجاد، الفيزيائي الحالي في شركة “شاركنينجا” لتصميم المنتجات، يحضر الخضروات للسلطة. أثناء حديثه مع مشرفه الأكاديمي، لاحظ قطرات من رذاذ البصل تستقر على يده. قاده فضوله العلمي لطرح سؤال غير تقليدي: “ماذا لو كانت هذه القطرات تمتلك طاقة كافية للوصول إلى عيني مباشرة؟”.
لم يكتفِ هوشانغينجاد بالتساؤل، بل جلب في اليوم التالي كيساً بوزن 10 أرطال من البصل إلى المختبر، وقام بتجهيز كاميرا عالية السرعة لتوثيق ما يحدث بالضبط في تلك الأجزاء من الثانية التي تشق فيها السكين طريقها عبر طبقات البصل.
تشريح الدموع: ما الذي يحدث مجهرياً؟
السر يكمن في البنية الخلوية للبصلة. تحت كل طبقة، توجد خلايا مليئة بالسوائل تشكل نظاماً مضغوطاً فريداً. عندما تضغط السكين على قشرة البصلة، فإنها لا تقطعها فوراً، بل تسحق الخلايا الموجودة تحتها. هذا السحق يؤدي إلى تجمع العصارة وضغطها بقوة ضد الجدران الخلوية، لتتحول إلى “قنبلة موقوتة” تنتظر لحظة التمزق لتنطلق.
المذنب الكيميائي هنا هو مركب يُعرف باسم (بروبانثيال إس-أوكسيد)، والذي يتشكل نتيجة تفاعل كيميائي فور تمزق الخلايا. ينطلق هذا المركب في الهواء محمولاً على رذاذ دقيق للغاية، باحثاً عن الرطوبة في عينيك ليسبب ذلك الشعور اللاسع.
مبدأ “بالون الماء”: حدة السكين تصنع الفرق
صمم الفريق البحثي “مقصلة مصغرة” في المختبر لتقطيع البصل بسرعات وقوى متفاوتة، مع استخدام شفرات تتباين في حدتها. النتائج التي نُشرت في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences كشفت عن تباين مذهل في سلوك السوائل بناءً على حدة النصل.
الشفرات غير الحادة (العمياء) تتطلب قوة أكبر لخرق القشرة، مما يؤدي إلى سحق عدد أكبر من الخلايا قبل القطع. هذا الضغط الزائد يحول البصلة إلى منصة إطلاق.
يقول جيم ويلكينغ، الفيزيائي في “مايو كلينك”: “الأمر يشبه تماماً مبدأ بالون الماء. إذا فجرت بالوناً بإبرة حادة، فلن تحتاج لضغط كبير. أما إذا حاولت ذلك بإصبعك، فأنت تضغط الغلاف المرن بقوة هائلة قبل أن ينفجر، مما يدفع الماء للاندفاع مسافة أبعد”.
أرقام صادمة: رذاذ بارتفاع 40 متراً
أظهرت القياسات أن التقطيع السريع باستخدام سكاكين غير حادة يدفع قطرات السائل للانطلاق بسرعة هائلة، قادرة نظرياً على الوصول لارتفاع يقارب 40 متراً — أي ما يعادل نصف ارتفاع شجرة سيكويا عملاقة. في المقابل، فإن التقطيع المتأني باستخدام شفرات حادة جداً يبقي هذا الرذاذ منخفضاً، بعيداً عن مستوى عيني الطاهي.
أبعد من مجرد سلطة
رغم أن الدراسة قد تبدو موجهة لعشاق الطهي، إلا أن هوشانغينجاد يرى فيها أبعاداً علمية أعمق. فهم كيفية تكسر القطرات وانطلاقها تحت الضغط يمكن أن يساعد العلماء في فهم آليات انتشار مسببات الأمراض (Pathogens) في الأنظمة البيولوجية الأخرى، حيث تلعب ديناميكيات الموائع دوراً حاسماً في انتقال العدوى عبر الهواء.
في النهاية، يبدو أن الحل لعيون جافة في المطبخ لا يتطلب نظارات واقية أو شمعاً مشتعلاً، بل مجرد مسنٍ جيد للسكاكين ويدٍ صبورة.