Table of Contents
لم يكن مشهدًا معتادًا في المؤتمرات العلمية الرصينة؛ قاعة مكتظة بمئات الفيزيائيين في مدينة أنهايم بكاليفورنيا، وتنبيه صارم من رئيس الجلسة بضرورة “الالتزام بقواعد السلوك” واحترام الآخرين. كانت الضحكات الخافتة التي سرت بين الحضور تشي بأن الجميع يدرك سبب هذا التوتر: شركة مايكروسوفت (Microsoft) على وشك تقديم أدلة على إنجازها الذي طال انتظاره في عالم الكيوبتات الطوبولوجية، وهو مجال شابهُ سابقًا سحبُ أوراق بحثية وادعاءات لم تثبت صحتها. ولكن بدلاً من التصفيق الحار، كان التشكيك هو سيد الموقف.
ضجيج بدلاً من الإشارة
كان الحدث الأبرز في “قمة الفيزياء العالمية” هو حديث الباحث في مايكروسوفت، شيتان ناياك (Chetan Nayak)، الذي صعد للمنصة للدفاع عن إعلان الشركة في فبراير الماضي عن ابتكار أول “كيوبت طوبولوجي” (Topological Qubit). هذا النوع من الكيوبتات يُعَد بمثابة “الكأس المقدسة” للحوسبة الكمومية، حيث يعد بمعدلات خطأ منخفضة للغاية مقارنة بالتقنيات الحالية الهشة.
لكن البيانات التي عرضها ناياك لم تبهر الحضور، بل أثارت موجة من الانتقادات اللاذعة. الرسم البياني الرئيسي الذي كان من المفترض أن يثبت عمل الكيوبت بدا للعديد من الخبراء مجرد “ضجيج عشوائي” (Random Jitter) لا يحمل أي نمط مميز. ورغم محاولة ناياك التأكيد على أن التحليل الإحصائي يكشف عن نمط خفي خلف هذه الفوضى، إلا أن التبرير لم يقنع النقاد.
“كانت البيانات غير مقنعة بشكل لا يصدق. بدا الأمر وكأن مايكروسوفت تجري اختبار رورشاخ النفسي (بقع الحبر) لمئات الأشخاص في آن واحد، متوقعة منهم رؤية ما تريد هي رؤيته”.
— هنري ليغ، فيزيائي بجامعة سانت أندروز
وعود “الماجورانا” وسراب الاستقرار
تكمن جاذبية الحوسبة الكمومية الطوبولوجية في قدرتها النظرية على حماية المعلومات من التشويش. لبناء هذا النوع من الكيوبتات، يحاول العلماء إجبار الإلكترونات في مواد معينة على الرقص بطريقة جماعية تحاكي جسيمات افتراضية تُعرف باسم “ماجورانا” (Majorana quasiparticles). نظريًا، إذا تمكنوا من إنشاء هذه الجسيمات والتحكم بها، فسيحصلون على حاسوب كمي فائق الاستقرار.
تعتمد أجهزة مايكروسوفت الجديدة على أسلاك نانوية (Nanowires) من الألومنيوم، بعرض 60 نانومترًا فقط، موضوعة فوق مادة شبه موصلة. عند التبريد الشديد، يصبح الألومنيوم فائق التوصيل، مما يهيئ الظروف لظهور جسيمات “ماجورانا” عند طرفي السلك.

لإثبات أن لديهم كيوبتًا حقيقيًا، صمم باحثو مايكروسوفت الجهاز على شكل حرف H، مما يخلق أربعة أطراف تستضيف جسيمات ماجورانا. وللتحقق من عمله، كان عليهم إجراء نوعين من القياسات يُعرفان بـ X و Z عبر “نقاط كمومية” (Quantum Dots) مجاورة.
جدل حول “القصص الخيالية”
في ورقة بحثية نشرت في دورية Nature، عرضت مايكروسوفت نجاحها في قياس Z، حيث أظهر الكيوبت تقلبًا بين حالتين كما هو متوقع. لكن المشكلة الكبرى ظهرت عند عرض ناياك لقياس X خلال المؤتمر؛ فقد بدت البيانات عشوائية تمامًا وتفتقر إلى الانتقال الواضح بين القيمتين، وهو ما أحبط آمال الكثيرين.
لم يتوقف الأمر عند خيبة الأمل من البيانات، بل وصل إلى التشكيك في المنهجية العلمية ذاتها. الفيزيائي هنري ليغ (Henry Legg)، الذي قدم عرضًا قبل ناياك بيوم واحد، شن هجومًا عنيفًا على البروتوكول الذي تستخدمه مايكروسوفت لتفسير بياناتها، واصفًا إياه بالمعيب.
قال ليغ بلهجة حادة: “أي شركة تدعي امتلاك كيوبت طوبولوجي في عام 2025 هي في الأساس تبيع قصة خيالية، وأعتقد أنها قصة خيالية خطيرة لأنها تقوض ثقة الجمهور في العلم”. ورغم أن رومان لوتشين (Roman Lutchyn) من مايكروسوفت دافع باستماتة عن نتائج فريقه، إلا أن الشكوك ظلت تحوم في القاعة.
مستقبل محاط بالضباب
الانقسام في المجتمع العلمي كان واضحًا. فبينما يرى البعض، مثل الفيزيائي سانكار داس سارما (Sankar Das Sarma)، أن مايكروسوفت حققت تقدمًا هائلاً في تقليل الشوائب المادية في أجهزتها، يرى آخرون مثل سيرجي فرولوف (Sergey Frolov) أن ما عُرض هو “مجرد ضجيج” وأن الشريحة التي تحتوي على 8 كيوبتات والتي أعلنت عنها الشركة “لا يمكن أن تعمل” بناءً على هذه النتائج.
وبينما تصر مايكروسوفت على أنها ستواصل تحسين أجهزتها لإقناع المشككين، يخشى جزء من المجتمع الفيزيائي أن يؤدي التسرع في الإعلان عن “اختراقات” غير مكتملة إلى المزيد من عمليات سحب الأوراق البحثية، مما يلقي بظلال قاتمة على حقل علمي واعد كان يُفترض به أن يقود ثورة الحوسبة القادمة.