Table of Contents
للوهلة الأولى، قد تبدو تلك الخربشات خلف الدكتورة «حواء راسين ثيام» وكأنها خطة مدرب كرة قدم يستعد لمباراة حاسمة. رموز (X) و (O) تتراقص بعشوائية منظمة على اللوح الأبيض، لكن حواء ليست مدربة رياضية، وتلك الرسومات لا تمثل لاعبين يركضون في الملعب، بل تجسد ساحة معركة من نوع آخر: إنها الخلايا المناعية وبيئتها المعقدة.
داخل أروقة جامعة ستانفورد، تعيد عالمة الفيزياء الحيوية (Biophysicist) صياغة فهمنا لكيفية عمل جهازنا المناعي. فبدلاً من النظر إلى الخلايا البيولوجية ككيانات غامضة، تتعامل معها حواء كأجسام مادية تخضع لقوانين الفيزياء الصارمة؛ كيف تتحرك؟ كيف تتشوه؟ وما هي القوى الميكانيكية التي تحكم سلوكها؟
عندما تتصرف الخلايا كسرب من النمل
«علينا أن نفهم كيف تعمل الخلايا ميكانيكياً إذا أردنا يوماً ما التحكم بها»، تقول ثيام. هذه الرؤية قد تفتح الباب مستقبلاً لتمكين الأطباء من توجيه الخلايا المناعية بدقة نحو مواقع العدوى، أو منع الأورام السرطانية من الانتشار. ولتحقيق ذلك، لا تتردد حواء في استلهام أفكارها من مصادر غير متوقعة، مثل مستعمرات النمل.
في أحد مشاريعها البحثية، لاحظت ثيام تشابهاً مدهشاً بين سلوك خلايا «العدلات» (Neutrophils) — وهي نوع من كريات الدم البيضاء التي تتصيد الميكروبات — وبين النمل. كلاهما لا يمتلك نظام تحكم مركزي يملي عليه الأوامر. بدلاً من ذلك، تترك المجموعة الأولى من النمل «آثاراً كيميائية» لترشد بقية السرب إلى الطعام، وبالمثل، تفرز العدلات مسارات كيميائية لاستدعاء التعزيزات المناعية. هذا السلوك الجماعي يطرح تساؤلات جديدة: هل تؤثر طريقة تعامل الخلية الأولى مع الميكروب (أكله أو تسميمه) على سلوك الخلايا التي تليها؟
تحدي العبور: كيف تعتصر الخلية نواتها؟
لطالما اعتقد العلماء أن حركة الخلايا تعتمد على ثلاث خطوات بسيطة: تمديد «قدم»، الالتصاق بالسطح، ثم سحب الجسم. كان هذا التصور صحيحاً على الأسطح المسطحة ثنائية الأبعاد، لكنه تجاهل حقيقة أن الخلايا داخل الجسم تتحرك في بيئة ثلاثية الأبعاد مزدحمة وضيقة جداً.
هنا برز تساؤل حواء الكبير: كيف تمر خلية ضخمة عبر مسام نسيجية دقيقة؟ شبهت الأمر بمحاولة تمرير كيس بلاستيكي يحتوي على حبة «كيوي» صلبة عبر ثقب صغير؛ إذا لم تنكسر الحبة، لن يمر الكيس. في دراسة نشرتها في دورية (Nature Communications)، اكتشفت ثيام وفريقها آلية مذهلة: لكي تعبر الخلية، تقوم بتمزيق الغشاء المحيط بنواتها مؤقتاً، مما يجعل النواة أكثر ليونة وقابلية للتشكل، فتنزلق الخلية عبر المضيق.

كان هذا الاكتشاف ثورياً، حيث لم يثبت أحد من قبل أن النواة تتصرف بهذه الديناميكية العنيفة لتسهيل حركة الخلية.
شباك الموت: عندما يتحول الـ DNA إلى سلاح
لم يتوقف شغف حواء عند ميكانيكا الحركة، بل امتد لدراسة إحدى أغرب الظواهر الدفاعية في الجسم، والمعروفة بـ «نيتوسيس» (NETosis). تخيل أن الخلية المناعية، في لحظة مواجهة يائسة مع البكتيريا أو الفيروسات، تقرر أن «تنفجر» ذاتياً مطلقةً مادتها الوراثية (DNA) إلى الخارج.

هذه الشبكة اللزجة من الحمض النووي تعمل تماماً كشباك الصيد، حيث تعلق بها الميكروبات الغازية ليتم القضاء عليها. وباستخدام تقنيات مجهرية متطورة، تمكنت ثيام خلال عملها في المعاهد الوطنية للصحة (NIH) من رصد التسلسل الدقيق لهذه العملية، بدءاً من تكدس الـ DNA داخل النواة وحتى قذفه خارج الخلية كشظايا قاتلة.
من السنغال إلى قمة العلم: الجرأة تتغلب على الشك
يرى «كليفورد برانجوين»، المهندس الحيوي في جامعة برينستون، أن جرأة حواء العلمية نابعة من مسيرتها الحياتية. فقد نشأت في السنغال، وانتقلت إلى فرنسا للدراسة، ثم إلى الولايات المتحدة، متقنةً أربع لغات وعابرةً الحدود بين الثقافات والتخصصات العلمية.
ورغم هذه النجاحات، تعترف حواء بصدق إنساني نادر بأنها، كغيرها من البشر، تراودها الشكوك أحياناً: «هل أنا ذكية بما يكفي؟ هل أعمل بجدية كافية؟». لكنها تؤكد أن الشك أمر طبيعي ومقبول، طالما أنه لا يوقفنا عن العمل. تقول حواء: «أحاول فقط الاستمرار في الدفع للأمام»، مؤكدة أن فهمنا لقوانين الفيزياء التي تحكم أجسامنا هو المفتاح القادم لثورة طبية جديدة.