Table of Contents
قبل زمن طويل من احتلال القطط الأليفة لأرائكنا واستمتاعها بالدلال، كان هناك صياد آخر يجوب مخازن الحبوب في الصين القديمة. لم يكن ذلك القط الوديع الذي نعرفه اليوم، بل كان كائناً برياً بعيون ثاقبة وفراء مرقط، يُعرف بـ “القط النمري”. تكشف لنا الحفريات الجينية الجديدة أن العلاقة بين البشر والقطط في الشرق الأقصى بدأت بفصل درامي ومختلف تماماً عما كنا نعتقده، حيث لعبت الطبيعة البرية دوراً في حماية محاصيل المزارعين القدامى قبل آلاف السنين من وصول القطط المستأنسة.
الهوية المفقودة لرفيق المزارع القديم
لطالما اعتقدنا أن القط المنزلي (Felis catus) كان الرفيق الوحيد للبشر عبر التاريخ، لكن دراسة حديثة نشرت في دورية سيل جينوميكس (Cell Genomics) قلبت هذه الموازين. تشير التحليلات الجينية إلى أنه في الفترة الممتدة بين 5400 و1900 عام مضت، لم تكن القطط التي تطارد الفئران في القرى الصينية من السلالة المستأنسة التي نألفها، بل كانت تنتمي لنوع بري يُعرف بـ “القط النمري” (Prionailurus bengalensis).

هذا الكائن المرقط، الذي لا يزال يعيش في براري آسيا اليوم، وجد في المستوطنات البشرية القديمة مائدة مفتوحة من القوارض التي كانت تنجذب لمحاصيل الحبوب. وبدلاً من أن يطرده البشر، نشأت علاقة منفعة متبادلة (Commensalism)؛ فالقط يحصل على طعام وفير، والمزارع يتخلص من الآفات، دون أن يتحول هذا الحيوان بالضرورة إلى حيوان أليف بالمعنى الكامل.
فك شفرة الحمض النووي القديم
لحل هذا اللغز التاريخي، قام فريق بحثي بقيادة عالمة الوراثة القديمة “هي يو” من جامعة بكين بدراسة بقايا عظام قطط عُثر عليها في مستوطنات بشرية تعود للعصر الحجري الحديث وحتى القرن العشرين. ركز الباحثون على الحمض النووي الميتوكوندري (الذي يورث من الأم فقط) لتتبع الأنساب بدقة.

أظهرت النتائج مفاجأة مثيرة: العينات التي تعود لما قبل عام 200 ميلادية لم تكن تمت بصلة للقطط المنزلية الحالية، بل كانت جميعها تنتمي للقطط النمرية. وتتوافق هذه النتائج الجينية مع الأدلة الأثرية؛ ففي وعاء يعود لأسرة “هان” (حوالي 168 قبل الميلاد)، يظهر رسم لقط بذيل طويل ومخطط وجسد مرقط، وهي سمات تطابق القط النمري بدقة، بعيداً عن مظهر القطط المستأنسة التقليدي.
وصول القطط الأليفة عبر طريق الحرير
متى حدث التغيير الكبير إذن؟ تشير الدراسة إلى أن القطط المنزلية الحديثة، التي تنحدر من القط البري الأفريقي (Felis lybica)، لم تظهر في السجل الجيني بالصين إلا حوالي عام 730 ميلادية، خلال عهد أسرة “تانغ”. يُعتقد أن هذه القطط وصلت كبضائع ثمينة أو رفقاء سفر عبر طريق الحرير التجاري الذي ربط الصين بالشرق الأوسط.

التحليل الجيني كشف أيضاً عن ملامح هذه القطط القادمة؛ فقد كانت تتميز بفراء قصير وعلامات بيضاء. وهو ما تؤكده اللوحات الفنية من تلك الحقبة وحتى القرن العشرين، حيث تظهر القطط البيضاء أو ذات البقع البيضاء في حوالي 85% من الأعمال الفنية، مما يعكس تفضيلاً اجتماعياً وجمالياً لهذا النوع الجديد.
لماذا انسحب “النمري” وانتصر “الأليف”؟
تطرح الدراسة سيناريو مثيراً لاختفاء القط النمري من المنازل الصينية. تشير “هي يو” إلى أن القط النمري اختفى من المواقع البشرية بعد عهد أسرة هان (حوالي القرن الثالث الميلادي). كانت تلك فترة فوضوية في التاريخ الصيني، مليئة بالحروب والاضطرابات الاقتصادية وانخفاض عدد السكان. مع تراجع الاستقرار والموارد، يبدو أن القط النمري فضل العودة إلى البرية.
عندما عاد الاستقرار وعادت وفرة الغذاء والقوارض، كان المنافس الجديد قد وصل. القط المنزلي القادم من الغرب لم يملأ الفراغ البيئي فحسب، بل تفوق بفضل سمة حاسمة: الوداعة. توضح كاثرين لورد، عالمة الأحياء التطورية بجامعة ماساتشوستس، أن القطط النمرية كانت مجرد “مستغلة” للبيئة البشرية ولم تكن أليفة حقاً، بينما القطط المنزلية طورت سلوكيات تجعلها رفيقاً محبوباً داخل المنزل، لا مجرد صياد في الحظيرة.
ومع ذلك، فإن قصة التطور لا تنتهي أبداً. تشير “يو” إلى أن القطط النمرية بدأت تظهر مجدداً في الضواحي الحديثة لمدن مثل بكين، منجذبة مرة أخرى للنفايات والقوارض البشرية. وكما تقول إلينور كارلسون، الباحثة المشاركة في الدراسة: “هذا البحث يثبت أن التكيف مع البيئات البشرية عملية تطورية مستمرة. الحيوانات تقرر متى تستغل بيئتنا ومتى تنسحب منها، ونحن فقط من نشكل العالم الذي يتخذون فيه قراراتهم”.