قصة آل سيف المتكررة.. ليلى ومنى تطرقان أبواب السجون لإخراج علاء وسناء

يخوض آل سيف معركة جديدة لإنقاذ الابن علاء عبد الفتاح من الموت في السجن، بعد رسالة منه عبر محاميه لأمه بأن تستعد لتلقي عزائه، كما تكافح الأم وابنتها الوحيدة الباقية على قيد الحرية لإنقاذ الابن.

الأمن المصرييوقف شقيقة الناشط علاء عبد الفتاح (خبر)
علاء عبد الفتاح وشقيقته (مواقع التواصل)

القاهرة- حاملًا على ظهره حقيبة متخمة بالأوراق، متبوعًا بأصدقاء يشاركونه الهم والحلم، مرق الشاب علاء سيف عبد الفتاح بين صفوف الحاضرين في مؤتمر تقني عُقد بالقاهرة، إذ كان من المعتاد مطلع القرن الحالي رؤية الشاب علاء جائلا بين مؤتمرات دعم تقنيات البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر (open source code)، في مواجهة البرمجيات الاحتكارية مغلقة المصدر.

لم يكن مؤسس مايكروسوفت بيل غيتس في مقر شركته العملاق بالولايات المتحدة يدرك أن قائد الحركة المحلية الصغيرة الناشطة بمصر، التي تستهدف الضغط على شركته المتهمة باحتكار برنامج التشغيل الأشهر “ويندوز”، هو مبرمج شاب بسيط الحال، يسكن حي العمرانية المتواضع (غرب القاهرة)، ويدعى علاء.

رحلة من النضال تطورت مراحلها مع نضح المبرمج الشاب، بدأت بالنضال ضد احتكار أنظمة تشغيل الحاسوب، وتطورت إلى مقاومة أنظمة حكم سياسي متعاقبة، ولم تنته فصولها بعد رغم مأساة الابن الذي يقبع في زنزانة بسجن طرة وأتم عامين من الحبس الاحتياطي، وهو الحد الأقصى الذي يضعه القانون المصري، لكن الواقع يشهد تجاوزه في حالات عدة.

قدر متكرر

ربما لم يكن الحقوقي الراحل أحمد سيف الإسلام عبد الفتاح حمد يتوقع وهو يربي علاء وأختيه منى وسناء، ويوصي زوجته بالدفاع عن الحريات والحقوق أن ينصبّ هم أسرته لاحقا على إنقاذ حياة الابن الوحيد.

كان أكثر ما يؤرق علاء هو حزن والديه عليه، في كل مرة تنتهي به الحال مسجونًا لأنه آمن بما ربياه عليه من دفاع عن الحرية، حسب مقربين.

لذلك كان الاتفاق الأول عند ارتباط علاء وزوجته منال حسن، ابنة الحقوقي بهي الدين حسن مدير مركز القاهرة لحقوق الإنسان -بدايات القرن الحالي- عدم إنجاب طفل في عالم يسوده ذلك الاختلال الرهيب في ميزان العدالة، ليثمر الارتباط عن مولود آخر، مختلف ومدهش في هذا الوقت، هو مدونة حملت اسم “علاء ومنال”، في وقت كانت فيه فكرة المدونة اختراعا، وكان فيه الإنترنت محدود السرعة قليل المستخدمين.

 

في توقيت مقارب، وأواخر سنة 2003 كانت والدته أستاذة الرياضيات بجامعة القاهرة ليلى سويف تشارك مع مجموعة من أساتذة الجامعة في تأسيس مجموعة العمل من أجل استقلال الجامعات (المعروفة إعلاميًّا بحركة “9 مارس”)، لتستعيد الجامعة دورها السياسي كما كانت عليه وقت بدايات التحاق الطالبة ليلى سويف بالنشاط المعارض للرئيس الراحل أنور السادات، إذ تعرفت على زوجها وقتئذ، الناشط والطالب بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية أحمد سيف الإسلام.

يلوّح علاء لوالده في كفنه بيد واليد الأخرى في القيد، وأخته سناء مقيدة هي الأخرى تلوح باليد الحرة لأبيها لآخر مرة، كان ذلك عام 2014؛ فالاثنان مسجونان، ولم يتمكن علاء من مغادرة سجنه كي يلقي نظرة على أبيه وهو يغمض عينيه لآخر مرة في المستشفى التي كان يرقد فيها مريضًا، لأن الابن مسجون، ومثلما لم يقف الأب ليستقبل ابنه عام 1981 وهو يفتح عينيه على الدنيا، لأن سيف الإسلام كان وقتها مسجونا.

يعيد التاريخ دورته؛ الابن علاء هو المسجون هذه المرة، وابنه خالد يصرخ قادما إلى حياة تبدو مختلة الموازين رغم الثورة التي أطاحت بنظام، محققًا خوف أبيه القديم من ألا يجلب للعالم شقيًّا آخر، بعد ما أيقظت ثورة يناير/كانون الثاني 2011 حلم أبويه بالإنجاب، معتقدين أن الدنيا سيعتدل ميزانها أخيرًا.

أحسن حظًّا

“على الأقل، نحن أحسن حظا من آخرين لا يعرفون أماكن ذويهم، على الأقل أعرف مكان أولادي”، كما تقول الأستاذة الجامعية سويف في أحد حواراتها، وهي عبارة موحية يستدعيها مغردون وهي تفترش الأرض، في صورة شهيرة متكررة، بانتظار خطاب من الابن لتطمئن عليه، وهو مشهد متكرر كل أسبوع، مما أثار حفيظة الإعلام المقرب من السلطة بأنها تريد جلب التعاطف والإساءة للنظام بهدف تلقي التمويل من الخارج.

الأم -التي انتظرت عام 1981 مولودها الأول بلهفة- لا تزال تنتظره مجددًا بلهفة أيضا، ولكنها هذه المرة لا تقف على باب مستشفى للولادة، ولكن أمام سجن شديد الحراسة، وهي تفترش الأرض كل حين بانتظار الاطمئنان على ابنها.

ليلى سويف تفترش الأرض أمام السجن الذي يقبع فيه ابنها علاء عبد الفتاح (مواقع التواصل)

 

في الداخل، يتحرك علاء في مساحة محدودة، هي زنزانته التي يشاركها مع آخر، وعلاء -لمن يعرفه- سريع الحركة، يتقافز عندما يتكلم منفعلاً، وهو اليوم متوقف عن الحركة بفعل المساحة، العالم يتقدم كل يوم في تخصصه كمبرمج، بينما هو ثابت منذ بدأ رحلته المتقطعة للسجون منذ عام 2014، وهو فضلا عن ذلك ممنوع من اقتناء الكتب والدوريات.

علاء مسجون هذه المرة سجنا احتياطيا بتهم مختلفة معتادة للسجناء السياسيين، واعتقل عام 2019 عقب خروجه من قضاء تدابير احترازية تقتضي وجوده في قسم الشرطة ساعات طويلة.

غيّر السجن حياة علاء إلى الأسوأ -حسب أسرته- وربما كان والده أحسن حظًّا منه لأنه كان مسجونا في سجن أقل قسوة مطلع الثمانينيات، إذ دفع السجن مسار حياة أحمد سيف من خريج سياسة واقتصاد، راغب في مهنة التدريس، إلى محام يتبنى قضايا الحريات، عندما أتاحت له مدة السجن الطويلة في قضية التنظيم الشيوعي المسلح دراسة القانون خلال مدة محكوميته الطويلة “5 سنوات”.

لم يكن العمل الحقوقي في بال سيف الإسلام في بداية نشاطه السياسي، كما لم تكن السياسة هدف علاء في بداياته، بل انجر إليها جرًّا، بفعل دوامات الأحداث التي تلاحقت خلال نهايات عصر مبارك، فوجد نفسه مدفوعا إليها بفعل اشتباكه مع القضايا العامة، غير أنه لم ينضم لأي تجمع سياسي أو شبابي، ورغم ذلك تم توقيفه واعتقاله عدة مرات في عصر الرئيس الراحل حسني مبارك.

الأم تفترش الأرض أمام بوابات السجن بانتظار خطاب من ابنها، والابنة الوحيدة الباقية على قيد الحرية منى تكتب على منصات التواصل الاجتماعي مناشدة الجميع محاولة فعل شيء، ينصحها أحد متابعيها على تويتر “توجهي بخطابك للرئيس الأميركي جو بايدن”، لكنها لا تفعلها.

يعتقد بعض أصدقاء علاء عبد الفتاح أن موقفه المناوئ للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ومناهضته سياسات الشركات الأميركية العملاقة؛ له علاقة بعدم ورود اسم علاء ضمن القوائم التي تطلب الإدارات الأميركية من السلطات المصرية بين الآن والآخر الإفراج عنها.

تتساءل منى بغضب في تدوينة قبل أيام عما يراد منها: ما المطلوب أن تُدفع إليه أسرتها؟

وتعرب منى عن خشيتها من الاختطاف من أمام مكتب النائب العام كما جرى لشقيقتها سناء، التي يشبه قدرها قدر أخيها بالسجن عدة مرات في قضايا مختلفة، آخرها لا تزال على ذمتها، ووداعها لأبيها وهي في قيدها، سجينة لأنها سعت لإخراج أخيها من السجن بتكرار طرقها أبواب مكتب النائب العام.

 

دكتورة ليلى سويف.jpgدكتورة ليلى سويف خلال أحد المؤتمرات الصحفية (الجزيرة)

 

سناء أشبه الناس بأبيها، كما قال عنها أحمد سيف الإسلام نفسه، فهي رغم صغر سنها انخرطت قبيل الثورة في أكثر من نشاط للدفاع عن الحقوق والحريات.

لكن منى تشترك في قدرها مع والدتها، فقد كُتب عليهما تقاسم الأدوار عند الزيارات، فحينما تكون الأم في زيارة علاء تكون منى في زيارة سناء، وهكذا.

في إحدى زياراتها لشقيقتها صادفت منى مرور أحد قادة شرطة السجن، وحاولت الاقتراب منه رغم الحراسة، وألحت في معرفة شخصيته وتوصيل رسالة له بما يجري من معاناة، مهمة يائسة لكنها أقدمت عليها رغم إعراض القيادة الشرطية.

مشهد جسّد التعريف الذي اختارته الابنة الثانية لنفسها على حسابها في تويتر “الصبح أجري وراء الفراشات، وبالليل أطارد العسكر”.

تواصل منى الكتابة عن أمها التي واصلت افتراش الأرض بانتظار خطاب من ابنها، وتواصل الكتابة عن أختها سناء المعزولة عما يجري لأسرتها، ورغم تلك الوقائع المدهشة لأسرة تطبعت مع المعاناة، فإنها تقول “أفكر نفسي أن لو فيه حاجة تكررت على مدار السنين هو أن كل مرة حاولوا يعملوا حاجة مؤذية لحد منا، بشكل قدري عجيب عرفنا عنها واطمنا، أنا مصدقة أن تعويذة الأمان الأساسية لعائلتي هي أننا محاطين بمحبة حقيقية في أعجب الأماكن وأكثرها قسوة”.

يتساءل متابعوها بدهشة “ألا تشعر هذه الأسرة بالخوف والقلق والتعب؟” تجيب الأم في أحد حواراتها “نعم أخاف على أولادي من الأذى، مثل الجميع، لكنني أخاف عليهم أيضا من أن أسقط في نظرهم، أن أكون في عيونهم أمّا جبانةً ومعوقة”.

في كلماته الأخيرة، قال سيف الإسلام لولده “عذرا يا ابني، فقد أورثتك الزنازين التي دخلتها”. وسارت العبارة في الناس مثلاً لمأساة أسرة تجرع أفرادها ما حاولوا أن يجنبوه للناس من قمع وقهر.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *