
قال الرئيس السابق
لمَجْمع الفقه الإسلامي في السودان، البروفيسور عبد الرحيم علي، إنه “في حال تمرير
مخطط التطبيع بشكل رسمي على غير إرادة الشارع السوداني قد يُدخل البلاد في دوامة
من العنف، وإذا استمر الوضع على هذا الحال، فأنا أخشى انفجار الأوضاع في السودان،
كما حدث في البلدان المجاورة، مثل اليمن وليبيا وسوريا؛ لأن الأوضاع الشاذة تنتج أوضاعا
شاذة”.
جاء ذلك في
الحلقة الأولى من مقابلته الخاصة ضمن سلسلة مقابلات مُصورة تجريها
“عربي21″، تحت عنوان (ضيف “عربي21”).
[wpcc-iframe src=”https://www.youtube.com/embed/nK5vL7FeGgo” width=”780″ height=”439″ frameborder=”0″]
وأكد “علي” أن “معظم الأحزاب
والمؤسسات والشخصيات الاعتبارية المُعتبرة ترفض التطبيع مهما كلّف السودان، وهو مُكلف دون شك”، لافتا إلى أنه لم
تكن هناك خطوات حقيقية في هذا الاتجاه، باستثناء مقابلة رئيس المجلس السيادي لنتنياهو،
وإذا بدأت خطوات تنفيذية، فعندئذ ستواجه برفض كامل، وربما يكون عنيفا”.
ولفت الرئيس السابق
لمَجْمع الفقه الإسلامي في السودان إلى أن “نسبة الرافضين للتطبيع في السودان
عالية جدا، وربما تتجاوز الـ80%”، مستنكرا دور الإمارات في ملف التطبيع بين السودان
وإسرائيل، التي قال إنها بمثابة “رأس الحربة” في المنطقة العربية لتسويق
“شرق أوسط جديد”.
أنا لدي رأي مختلف في مسألة التطبيع،
حيث أن التطبيع هو العودة أو التحوّل إلى الوضع الطبيعي الذي يتمثل –من وجهة نظري-
في المقاومة وإنكار الاحتلال، وسُميت الحركة التي تجري الآن بالتطبيع وهي في
الحقيقة تحوّل عن الوضع الطبيعي إلى حالة الاعتراف بإسرائيل والتعاون معها، وهذا
ليس “تطبيعا”.
تُغري بمزيد من الاحتلال وتضييع حقوق
الفلسطينيين، وبمزيد من التوسع في البلاد العربية، لأن خريطة إسرائيل لم تُرسم حتى
الآن، فكلما وجدت الطريق مفتوحا أمامها توسعت إلى الأمام، مع الأخذ في الاعتبار
فكرة “إسرائيل الكبرى” من الفرات إلى النيل لاتزال ماثلة، ويبدو أن
التحولات التي تجري الآن هي تحقيق لشيء من هذا الحلم الموجود وليست محض خيال، وكان
الإنكار الذي تجده من البلاد العربية والإسلامية في وقت واحد يحول دون تنفيذ بعض
هذه الخطط والطموحات الإسرائيلية، لكن الآن فُتح المجال على مصراعيه، لدرجة أن أحد
كُتّاب الصهاينة كتب كتابا بعنوان “العودة إلى مكة”، وعُرض على إحدى الإذاعات
الأمريكية، وهو يرى أن الوقت قد حان لعودة اليهود إلى الجزيرة العربية.
كل الآراء التي تنتج عن إغراء أو ترهيب
في مؤتمرات إسلامية يُحشد لها عدد خاص ومُنتقى من العلماء، وهذا لا يُعتبر أبدا
رأيها، وإنما تُعتبر الآراء التي صدرت من كبار العلماء، ومنها رأي الأزهر، بالإضافة
لرأي بعض المشايخ والعلماء في السعودية وغيرها، وهو ما يُعتد به. أما ما يصدر الآن
من كلام بزعم الحديث عن العلاقة مع اليهود، بينما العلاقة بإسرائيل غير العلاقة
باليهود، والموضوع مرتبط باحتلال أرض المسلمين وطرد أهلها منها، والموقف المطلوب خاص
بهذه القضية وليس موقفا من أهل الكتاب.
هذا التناقض تُمليه الظروف التي طرأت
على المنطقة، ورغبة بعض الحكام في أن يسمعوا هذا الكلام، لأسباب سياسية أو اقتصادية
أو غيرها، ولا شك أن البلاد العربية الآن في حالة ضعف سياسي واقتصادي ودبلوماسي
بشكل غير مسبوق.
علماء
الدين يجب أن ينأوا بأنفسهم عن هذا الوضع، ولا شك أنه في كل زمن إذا كان العالم أو
رجل الدين معروض للبيع سيجد مُشتري، لأن التاريخ الإسلامي به الكثير جدا من الأقوال
الباطلة التي عُرفت بمرور الزمن أنها جاءت نتيجة إغراء أو ترهيب، ويجب على علماء
المسلمين أن يتبرأوا من هذا، وعليهم ألا يستجيبوا لهذه المطالب.
إذا
كان المقصود التوحيد بين أهل الأديان فهذا بعيد جدا؛ فالمطلوب الآن أن يكون هناك
تعايش بين الأمم التي تتبع ديانات مختلفة، وإن لم يكن من الممكن الاتفاق على
العقيدة فعلى الأقل يجب ألا يكون بينهم عدوان، بينما المسلمون يُعتدى عليهم في كل
مكان، والمجتمع الدولي يصمت على العدوان ضد المسلمين، وتكاد الجماعات المُسلمة أن
تُباد، وهذا أمر يدعو للغضب والأسف.
دعت
بعض الأحزاب الصغيرة جدا وبعض الأفراد إلى ضرورة التطبيع، زاعمين أن حل مشكلان
السودان الكبرى – والتي نقر أنها حقيقية – سيكون من خلال التطبيع، وتُستغل أوضاعنا
الصعبة بشكل ابتزازي، مع أن القضية أصلا لم تكن لها علاقة بمسألة إسرائيل؛ فالقضية
هي الموقف من أمريكا، والذي يحدث الآن أن بعض السودانيين في حالة الضغط الحالية
يستجيبون للابتزاز ويسوّقون بعض الحجج بأن الجميع طبّعوا، والفلسطينيون أنفسهم
يتحدثون مع إسرائيل ويحضرون مؤتمراتها، لكن في الحقيقة هذا الكلام غير صحيح.
فأغلبية
الأحزاب السودانية قالت رأيها صراحة أنه لا يجب أبدا أن يتحوّل السودان عن موقفه
الثابت تاريخيا، والخرطوم شهدت اجتماعا عربيا شهيرا في أوائل الستينيات وحضره جميع
ملوك ورؤساء العرب في ذلك الوقت واتفقوا على أنه لا تطبيع ولا سلام في هذه الظروف
مع إسرائيل، وسُميت الخرطوم على خلفية ذلك الأمر بعاصمة اللاءات الثلاث، والآن
إسرائيل تفخر بأن عاصمة اللاءات الثلاث لم يكن متصورا أن تعود للسلام مع إسرائيل،
وهي الآن تعود، ونتنياهو يُبشّر المجتمع الإسرائيلي
بأن السودان يعود إلى التطبيع، والحقيقة أن السودانيين لا يريدون ذلك ولا يرغبون
فيه، لا شعبا ولا حكومة.
هذا
صحيح. هناك خلافات في الظاهر، لكن الواقع أن معظم الأحزاب والمؤسسات والشخصيات
الاعتبارية المُعتبرة في السودان تقول برفض هذا الاتجاه مهما كلّف السودان، وهو مُكلّف
بدون شك، لكن الموقف عدم الخضوع أو الاستسلام للابتزاز والضغوط التي تُمارس ضد
السودان حاليا.
لا أظن ذلك،
فالحكومة قالت رأيّا -وأظنه كان صحيحا- إنها ليست مفوّضة في هذا الشأن؛ لأنها
حكومة انتقالية، وليست هنالك مؤسسات تشريعية، ومثل هذا الموقف “موقف أصولي
راديكالي” يتعلق بأصول السياسة السودانية الخارجية، وبموقفه العربي والإسلامي
التاريخي، ومنذ استقلال السودان عام 1956 وحتى الآن لم يجرؤ أحد على القول بأن
يسارَع إلى التطبيع مع إسرائيل أو الاعتراف بإسرائيل، فمكتوب في جوازات السفر في السودان
“جميع البلدان ما عدا إسرائيل”، فهذا الجواز لا يجيز للسوداني أن يدخل إسرائيل،
وتغيير هذا الموقف يحتاج إلى مجلس تشريعي ينوب عن الشعب، أو استفتاء شعبي يوافق
على مثل هذا الكلام.
أي استفتاء
شعبي لن يوافق على هذا الأمر، ونحن جزء من الشعب، ولكن الأجهزة القانونية أو
الدستورية في البلد التي تستطيع أن تتخذ قرارا في هذا الأمر معروفة، وإن اتخذت قرارا
بهذه الشؤون سيمضي، لكنه سيكون محل احتجاج، وسيضع السودان في وضع غير مستقر أبدا.
ما تقوم به الإمارات ليس دورا أصيلا، لكنه دورا بالوكالة،
لكن الحقيقة أن الولايات المتحدة هي مَن تفرض هذه الشروط، وهي التي تملي على
السودانيين هذا الأمر، وتستخدم الإمارات كوسيط، أما دور الإمارات هو تقديم الأموال
“لإغراء السودان” في ظروفه الاقتصادية الحرجة ليقبل هذا الوضع، ويزيد “الكوم”
الذي يدخل في اتفاقات مع إسرائيل.
في تقديري أن الإمارات لها وضع خاص، فالإمارات دولة صغيرة
من حيث عدد السكان، وتشعر بمخاطر كبيرة جدا منذ زمن طويل، والآن يُعرض عليها دور يتجاوز
حجمها، بل يتجاوز حجم السعودية وحجم مصر، في مقابل أن تقوم بدور “رأس الحربة”
في المنطقة العربية لتسويق “شرق أوسط جديد”، ويبدو أنها قبلت هذا الدور.
كانت هناك
أصداء، لكن بشكل عام لم توقظ هذه القضية بشكل جدي حتى الآن؛ لأن المواطن السوداني
مشغول بقضاياه اليومية بشكل مزعج، كما أنه لا يظن أن ذلك سيكون.
من الصعب
تحديد ذلك، لأنني غير مشتغل بموضوع قياس الرأي العام، لكن أعتقد -مما أسمع وأقرأ- أن النسبة عالية جدا، ربما تتجاوز الـ 80% لا توافق على هذا التطبيع، والأشخاص
الذين “نطقوا بالموافقة” أشخاص معروفون، ومواقفهم
كانت شاذة في هذه المسألة، ويرون أن السودان يجب أن يفصل نفسه عن القضايا العربية،
وأن ينشغل بقضاياه الخاصة، وهو موقف تاريخي لبعض الأشخاص السودانيين.
لا أظن أن هناك
علاقة بين الأمرين، وإنما ستكون هناك إغراءات مالية مؤقتة، وعلى أي حال فإن مبلغ مليارين
أو ثلاثة في بلد واسع لا يمكنه أن يحل مشكلة مثل الوقود، والطاقة، أو دقيق الخبز لعدة
أسابيع، وعلى أقصى تقدير لعدة أشهر، وستبقى بعد ذلك المشكلة الاقتصادية قائمة.
لم يتحقق شيء،
لذا لا توجد نتائج، فليست هناك نتائج ملموسة بناء على ما تم من تشاور، ولا أظن أن
تكون هناك نتائج حقيقية، فما عُرض على السودان هو رفع اسم السودان من قائمة الدول
الراعية للإرهاب، وهي قضية “تغل يد السودان اقتصاديا” منذ فترة طويلة جدا،
وتشل حركته الاقتصادية، وأن تُقدم بعض المساعدات.
جميع السودانيين
يرون رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب هو أمر مستحق بغض النظر عن
سياسة السودان الخارجية؛ لأن السودان ليس راعيا لأي إرهاب، بل ظل السودان -باعتراف الأمريكان في مقالات منشورة- يتعاون في مكافحة الإرهاب حتى مع الولايات
المتحدة ذاتها، التي وضعت اسمه في قائمة الدول الراعية للإرهاب.
حل مشكلة
فلسطين هو توطين أهلها في بلدهم، وأن تكف إسرائيل عن التوسع في بناء المستوطنات،
كما أن الفلسطينيين لم ولن يقبلون بأي وطن بديل، لا في الماضي، ولا في المستقبل
سيفعلون ذلك.
وإذا كان الفلسطينيون
يقبلون التهجير إلى أي مكان، فإن دول الخليج -نظرا لثرواتها الغنية- يمكن أن تغري
بعض الأسر الفلسطينية للاستيطان فيها، أما السودان الذي يحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة
حتى تتحول أرضه وصحراؤه إلى بلاد معمورة ليس مغريا لأحد أن يستوطن فيه.
وقد استوطن بعض
الفلسطينيين في السودان لفترات قصيرة، واستضيفوا فيه، وكانوا محل ترحيب، واستطاعوا
الاندماج مع السودانيين ولم يكن هناك مشكلة، لكنهم بعد فترة خرجوا إلى بلادهم أو إلى
بلاد أخرى، ولا أظن أن الفلسطينيين سيقبلون أن تُحل مشكلتهم بتوفير صحراء خالية لهم
في مكان ما.
لحسن الحظ فقد
بقي السودان بعيدا عن العمليات الإرهابية والتفجيرات، وبقي مستقرا إلى حد كبير، لكن
هذا الأمر قد يُدخل البلاد في دوامة من العنف، وإذا استمر الوضع على هذا الحال فأنا
أخشى انفجار الأوضاع في السودان كما حدث في البلدان المجاورة مثل اليمن وليبيا وسوريا؛
فالأوضاع الشاذة تنتج أوضاعا شاذة.
هناك علاقة
وثيقة بين القرارات التي لا يقبلها المواطن السوداني أو الشعب وبين الاستقرار، من
الممكن جدا أن يفقد السودان حالة الاستقرار النسبية الموجودة حاليا بسبب قيام جماعات
عنف أو متطرفة، وهذا وارد الحدوث في بلد مثل السودان شاسع وواسع يصعب جدا السيطرة
على أطرافه.
التطبيع – إن
صحت الكلمة – وأنا استنكرتها منذ البداية، ليست مجرد كلمة تُقال، أو مجرد تحية أو إقامة
سفارة؛ فهو يترتب عليه أشياء كثيرة جدا، كلها ستكون محل إنكار من المواطن، ابتداء من استئجار بيت للسفير الإسرائيلي الذي سيكون محل إشكال في السودان؛ فالسودان غير
معتاد على هذا الوضع، ولن يعتاد عليه، أما التعاون الاقتصادي، ودخول رؤوس الأموال
الصهيونية، وما يتبع ذلك من إجراءات هي التي تكمن وراءها الخطوة الأولى التي تسمى
الاعتراف أو التطبيع، وهي خطوات كما يقولون: «دونها خرط القتاد».
لم تكن هناك خطوات
حقيقية في هذا الاتجاه فيما عدا مقابلة رئيس المجلس السيادي لنتنياهو خارج السودان،
وكانت هذه المقابلة محل تعجب واستنكار الكثير من المواطنين السودانيين، أما إذا بدأت
خطوات تنفيذية فعندئذ ستُواجه برفض كامل، وربما يكون عنيفا.

