}
مكانة عيد الفِطْر في نفوس المسلمين
يضرب عيد الفطر أرقى المعاني للأمّة الإسلاميّة، فيظهر فيه التكافل الاجتماعيّ بين المسلمين، والوحدة فيما بينهم، وتتسع رُوح الجِوار، ليصبحوا كأنّهم أهل بيتٍ واحدٍ، يغمرهم الإخاء بشكله العمليّ لا النظريّ، وتظهر بشكلٍ واضحٍ قيمة الإخلاص، ويتبادلون التهاني فيما بينهم،[١] والعيد يوم فرحٍ، وسرورٍ، وتجمّلٍ، يحرص المسلمون فيه على إطعام الفقراء، وسدّ حاجاتهم، فلا يشعرون بالنقص، كما أنّ العيد يُسهم في صِلة الرّحم، والأصدقاء، فتتصافى النّفوس المُتشاحنة، وتثبت على طاعة الله -تعالى-، والسعي في سبيل نَيْل رضاه ومحبّته، فكما أنّ العبد استقبل العيد بالطاعة؛ فيجدر به العزم وعَقْد الإرادة على الثبات والاستمرار عليها.[٢]
كيفيّة أداء صلاة عيد الفِطْر
تُصلّى صلاة العيد مثنى؛ أي ركعتان، تليها خطبة كخطبة الجمعة، والحكمة في كونها بعد صلاة العيد لأنها سنة، ويرغّب الإمام الناس في خطبة عيد الفطر بإخراج صدقة الفطر، ويوضّح لهم أحكامها،[٣] وقد فصّل العلماء في بيان كيفيّة صلاة عيد الفِطْر، وبيان تفصيل كلّ مذهبٍ فيما يأتي:[٤]
‘);
}
- الشافعيّة: قالوا بأنّ صلاة العيد كغيرها من النّوافل؛ فتؤدّى ركعتين، ويُندب للمصلّي أن يكبّر سبع تكبيراتٍ بعد تكبيرة الإحرام ودعاء الاستفتاح، وتشترط تلك التكبيرات قبل الاستعاذة والقراءة، ويرفع يديه في كلّ تكبيرةٍ، ويُسنّ له أن يفصل بين كلّ تكبيرتين بمقدار آيةٍ مُعتدلةٍ، وأن يضع يديه تحت الصدر بين كلّ تكبيرتين، وأن يقول سرّاً: “سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر”، وفي الركعة الثانية يزيد خمس تكبيراتٍ على تكبيرة القيام، ويفعل كما فعل في الركعة الأولى، وتجدر الإشارة إلى أنّ التكبيرات الزائدة سنّةً؛ فلو نسيها، أو تركها؛ فلا يسجد للسَّهو، وإن وقع لديه شكٌّ في العدد؛ فيبني على الأقلّ، ويُسنّ الجهر في التكبير للإمام والمصلّين، أمّا الجهر في القراءة؛ فيُسنّ للإمام والمنفرد، وإن تابع المأموم الإمام في صلاته، ودخل معه في الركعة الثّانية؛ فيُتابعه في عدد التكبيرات، إلّا إن زاد عن خمسٍ، ويكبّر خمس تكبيراتٍ أيضاً في الركعة التي يؤدّيها لوحده بعد سلام الإمام، ويترك المأموم التكبيرات الزوائد إن لم يفعلها الإمام، وكذلك يقتدي بإمامه إن كبّر أقلّ من سبعٍ أو خمسٍ، وتُسنّ قراءة سورة ق، أو سورة الأعلى، أو سورة الكافرون؛ في الركعة الأولى بعد الفاتحة، وقراءة سورة الإخلاص، أو سورة القمر؛ في الركعة الثانية.
- الحنفيّة: ينوي المصلّي صلاة العيد بِقلبه، ويقول: “نويت أن أصلّي صلاة العيد”، وينوي متابعة الإمام إن أراد الاقتداء به، ويكبّر، ويبدأ بالثناء على الله -سبحانه-، ويكبّر التكبيرات الزائدة على تكبيرة الإحرام، وتبلغ ثلاث تكبيراتٍ دون تكبيرة الإحرام وتكبيرة الرّكوع، ويسكت بين كلّ تكبيرةٍ وأخرى بمقدار ثلاث تكبيراتٍ، ويردّد: “سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر”، ويسنّ رفع اليدين عند كلّ تكبيرةٍ، سواءً للإمام، أو المُقتدي، أو المنفرد، ويقرأ سورة الفاتحة وسورةً بعدها، ويُسنّ أن تكون سورة الأعلى، أمّا الركعة الثانية؛ فتبدأ بالبسملة، وسورة الفاتحة، وسورةٌ أخرى، ويُندب أن تكون سورة الغاشية، وبعد القراءة يُكبّر ثلاث تكبيراتٍ دون تكبيرة الركوع، ويُكمل صلاته.
- المالكيّة: اعتبروا صلاة العيديَن كصلاة النّوافل، إلّا أنّ المُصلّي يأتي بست تكبيراتٍ قبل القراءة وبعد تكبيرة الإحرام، وبخمس تكبيراتٍ بعد تكبيرة القيام في الركعة الثانية، ويُكره رَفْع اليدين حين التكبير، إلّا تكبيرة الإحرام؛ إذ يُندب رَفْع اليدين فيها، ويُندب تقديم التكبير على القراءة، ولا حرج بتأخيره إلى ما بعد القراءة، ولا تصحّ متابعة الإمام إن كان يزيد أو ينقص في عدد التكبيرات، أو يؤخّرها إلى ما بعد القراءة، ويُندب لغير الإمام الموالاة في التكبيرات، مع عدم ترديد أي شيءٍ بينها، ويُندب للمصلّي قراءة سورة الأعلى، أو نحوها في الركعة الأولى بعد الفاتحة، وقراءة سورة الشمس، أو نحوها في الركعة الثانية، مع ندب الجَهْر في القراءة، وتجدر الإشارة إلى أنّ كلّ تكبيرةٍ زائدةٍ سنةٌ مؤكدةٌ، فإن نسيَ منها المصلّي، وتذكّرها قبل الركوع؛ يأتي بها، فإن كان منفرداً؛ فتُندب له إعادة القراءة، ويسجد سهواً بعد السلام، ولا يأتي بشيءٍ إن تذكّر ما نسيَ بعد الركوع، ويسجد للسّهو قبل السلام، أمّا نسيان تكبيرةٍ واحدةٍ؛ فلا يُسجد للسّهو لها، وإن اقتدى المصلّي بإمامٍ وهو يكبّر؛ كبّر معه، سواءً في الركعة الأولى، أم الثانية، إلّا أن أتى بما فاته من الركعات بعد تسليم الإمام؛ فيأتي بركعةٍ يكبّر فيها ست تكبيراتٍ، دون تكبيرة القيام، كما أنّه يقضي ما فاته إن أدرك أقلّ من ركعةٍ، ويأتي بست تكبيراتٍ.
- الحنابلة: ينوي المصلّي صلاة ركعتَين صلاة العيد، ثمّ يُندب له قراءة دعاء الاستفتاح، والتكبير ستٍ مرّاتٍ مع رَفْع اليدين، والترديد بين التكبيرات: “الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بُكرةً وأصيلاً، وصلّى الله على النبيّ وآله وسلّم تسليماً”، أو ترديد أي ذِكْرٍ آخرٍ، ثمّ يتعوّذ، ويُبسمل، ويقرأ سورة الفاتحة، وسورة الأعلى، أمّا الركعة الثانية؛ فيُكبّر فيها خمس تكبيراتٍ بعد تكبيرة القيام، ويفعل ما فعله في الركعة الأولى، ويتعوّذ بالله بعد التكبيرة الأخيرة، وتُسنّ البسملة، ويقرأ سورة الفاتحة، وسورة الغاشية، ولا يُعيد المأموم التكبيرات إن أدرك إمامه بعد أدائه إيّاها، كما لا يأتي المصلّي بالتكبيرات الزائدة إن نسيها كلّها أو بعضها؛ لأنّها سنّةٌ، قد فات محلّها.
وقت ومكان صلاة عيد الفِطْر
وقت صلاة عيد الفِطْر
بيّن العلماء أنّ وقت صلاة العيد يبدأ من بعد طلوع الشمس بمقدار رمحٍ*، إلى وقت زوال الشّمس؛ أي وقت الضحى، إذ نُهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس، كما تُكره أيضاً بعد طلوعها إلى أن تطلع بمقدار رُمحٍ، ويُسنّ تأخير صلاة عيد الفِطْر؛ حتى يتمكّن المسلمون من إخراج زكاة الفِطْر.[٥]
مكان صلاة عيد الفِطْر
يُسنّ أداء صلاة العيد في مصلّى؛ لِما ورد من فعل النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، إن لم يكن أي عُذرٍ يمنع من ذلك، أمّا إن وُجد عذرٌ؛ كالمطر، أو الرِّياح؛ فلا حرج بأن تؤدّى في المسجد، وإن وُجد مَن لا يستطيع الخروج إلى المصلّى؛ فيُستخلف مَن يصلّي بهم؛ لِما ورد من فعل عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وقد قال ابن قدامة -رحمه الله- في ذلك: “السنّة أن يُصلى العيد في المصلّى؛ لأنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- كان يخرج إلى المصلّى ويدع مسجده، وكذلك الخلفاء من بعده، ولأنّ هذا إجماع المسلمين، فإنّ الناس في كلّ عصرٍ ومصرٍ يخرجون إلى المصلّى فيصلّون العيد”، وقال ابن القيّم أيضاً: “كان -صلّى الله عليه وسلّم- يصلّي العيديَن في المصلّى، وهَدْيه كان فعلهما في المصلّى دائماً”.[٥]
حكم صلاة عيد الفِطْر
اختلف ألعلماء في بيان حكم صلاة العيد، وذهبوا في ذلك إلى ثلاثة أقوالٍ، بيانها فيما يأتي:
- القول الأوّل: قال الشافعيّة، والمالكيّة؛ بأنّ صلاة العيد سنّةٌ مؤكّدةٌ؛ استدلالاً بِما ورد عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- من قَوْله لأعرابيٍ سأله عمّا افترضه عليه الله -سبحانه-، فقال -عليه الصلاة والسلام-: (خَمْسُ صَلَوَاتٍ في اليَومِ واللَّيْلَةِ. فَقالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قالَ: لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ)،[٦] واستدلّوا أيضاً بمداومة النبيّ -عليه السلام- عليها.
- القول الثاني: قال الحنفيّة بأنّ صلاة العيد واجبةً؛ وقد استدلوا بأنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- داوم عليها، ولم يتركها ولو لمرّةٍ واحدةٍ، ولأنّها تُصلّى جماعةً؛ فلو كانت سنةً لما صُلّيت جماعةً، ولاستُثنيت كصلاة التراويح، وصلاة الكسوف، والخسوف.
- القول الثالث: قال الحنابلة بأنّ صلاة العيد فرضٌ على الكفاية؛ استدلالاً بِقَوْل الله -تعالى-: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)،[٧] ولعدم ترك النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لها.[٨]
حكمة مشروعيّة صلاة عيد الفِطْر
يؤدّي المسلمون صلاة عيد الفِطْر بعد أن مَنّ الله عليهم بإتمام صيام شهر رمضان؛ شُكراً له،[٩] على ما أنعم به على عباده بالنِّعم التي لا تُحصى؛ كصحّة الجسد، وأداء العبادات التي شرعها، من الصدقة، والتكبير، والصلاة، والقيام، والصيام.[١٠]
الهامش
*زوال الشمس بمقدار رُمح: يُراد بذلك مرور رُبع ساعةٍ تقريباً بعد طلوع الشمس.[١١]
المراجع
- ↑مصطفى صادق الرافعي (2000)، وحي القلم (الطبعة الأولى)، صفحة 30-27، جزء 1. بتصرّف.
- ↑أحد العساف، “العيد: يوم الزينة والبسمة”، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 10-4-2020. بتصرّف.
- ↑الشيخ صالح الفوزان، “أحكام صلاة العيد”، www.alfawzan.af.org.sa، اطّلع عليه بتاريخ 22-4-2020. بتصرّف.
- ↑عبد الرحمن الجزيري (2003)، الفقه على المذاهب الأربعة (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 314-316، جزء 1. بتصرّف.
- ^أبعبد الله الطيار (1425هــ)، الصلاة وصف مفصل للصلاة بمقدماتها مقرونة بالدليل من الكتاب والسنة (الطبعة العاشرة)، صفحة 356-357. بتصرّف.
- ↑رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن طلحة بن عبيد الله، الصفحة أو الرقم: 46، صحيح.
- ↑سورة الكوثر، آية: 2.
- ↑وزارة الأوقاف، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الأولى)، مصر: دار الصفوة، صفحة 114، جزء 31. بتصرّف.
- ↑محمد التويجري (2010)، مختصر الفقه الإسلامي في ضوء القرآن والسنة (الطبعة الحادية عشرة)، المملكة العربية السعودية: دار أصداء المجتمع، صفحة 544. بتصرّف.
- ↑“حكمة مشروعية صلاة العيدين”، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 11-4-2020. بتصرّف.
- ↑“أول وقت الضحى وآخره بحساب الدقائق”، www.islamweb.net، 3-9-2009 م، اطّلع عليه بتاريخ 20-4-2020. بتصرّف.
