كيف تنقذ العواطف والمكافآت ذكرياتنا الباهتة من النسيان؟

كيف تنقذ العواطف والمكافآت ذكرياتنا الباهتة من النسيان؟

هل تساءلت يومًا لماذا نتذكر تفاصيل تافهة تزامنت مع أحداث كبرى؟ دراسة حديثة تشرح كيف تعمل العواطف القوية كمثبت كيميائي للذكريات العابرة في أدمغتنا.

Share your love

United States

هل تساءلت يومًا لماذا يتشبث عقلك بتفصيلٍ عابرٍ لا قيمة له، فقط لأنه تصادف حدوثه قبل لحظات من خبر مفرح أو حدث صادم؟ لطالما حيرت هذه الظاهرة العلماء؛ فنحن ننسى مئات الوجوه والمواقف يوميًا، لكن بعضها يبقى محفورًا في الذاكرة دون سبب وجيه. الإجابة، كما يبدو، تكمن في قدرة الأحداث المشحونة عاطفيًا على “إنقاذ” الذكريات الباهتة التي تسبقها أو تليها، لتعمل كمغناطيس يجذب التفاصيل العادية ويثبتها في أدمغتنا إلى الأبد.

قصة الدجاج والسناجب: حين تضيء الدهشة ما حولها

عندما نشأ تشين يانغ لين في مدينة ساحلية جنوب الصين، لم تكن الغابات الكثيفة جزءًا من طفولته. لذا، عندما ذهب في رحلة تنزه بغابات نيو هامبشاير الأمريكية العام الماضي، تملكه الذهول لرؤية الأشجار العملاقة والسناجب التي تتقافز بسرعة البرق. يقول لين، وهو خبير في الدماغ والسلوك بجامعة بوسطن: “كان ذلك جديدًا تمامًا بالنسبة لي”.

يد شخص تقلب صفحات ألبوم صور قديم يحتوي على ذكريات متنوعة
تظهر الأبحاث الحديثة أن الذكريات القوية عاطفيًا تعمل كمرساة تثبت الذكريات العادية المحيطة بها في أذهاننا.

تلك الرحلة تبلورت في ذاكرة لين بكل تفاصيلها، لكن الغريب في الأمر أن ذاكرته احتفظت أيضًا وبقوة بصورة دجاجات عادية جدًا رآها في طريقه للرحلة، رغم أنها لم تكن مثيرة للاهتمام. قاد هذا الفضول العلمي لين وزملاءه لنشر دراسة جديدة في دورية Science Advances في 24 سبتمبر، تفسر لماذا استقرت تلك الدجاجات (الذاكرة الضعيفة) بجوار السناجب المثيرة (الذاكرة القوية) في عقله.

آلية “الوسم والالتقاط”: كيمياء الذاكرة

منذ تسعينيات القرن الماضي، اقترح العلماء نظرية تُعرف بـ “الوسم والالتقاط” (Tag and Capture). الفكرة ببساطة هي أن الأحداث اليومية تترك علامات أو “وسومًا” كيميائية خفيفة على الخلايا العصبية، لكنها سرعان ما تتلاشى وتختفي في غضون ساعات إذا لم يتم تثبيتها. ولكن، عندما يقع حدث قوي عاطفيًا (سواء كان مفرحًا أو مخيفًا) بعد فترة وجيزة من الحدث العادي، فإنه يثير “عاصفة بروتينية” في منطقة الحصين (Hippocampus) والدوائر العصبية المرتبطة بها.

هذه البروتينات تعمل مثل الغراء؛ حيث تلتقطها الخلايا العصبية الموسومة مسبقًا، مما يؤدي إلى ترسيخ تلك الذكريات الضعيفة ودمجها مع الذكريات القوية. ووفقًا لنتائج فريق لين، فإن الدماغ يميل لربط الأشياء والأحداث المتشابهة ببعضها البعض، وهو ما يفسر لماذا تذكر لين حيوانات المزرعة العادية (الدجاج) بفضل إثارته لرؤية حيوانات الغابة (السناجب).

المكافأة كبديل للعاطفة: ماذا كشفت التجربة؟

لاختبار هذه الفرضية، صمم لين وفريقه تجربة ذكية شملت أكثر من 100 مشارك، حيث عرضوا عليهم متواليات من صور لحيوانات (مثل الهامستر وخيار البحر) وأدوات يومية عادية. في المرحلة الأولى، شاهد المشاركون الصور ببساطة. وفي المرحلة الثانية، عُرضت صور مشابهة لكن مع ربطها بنظام مكافآت.

حصل نصف المشاركين على مكافأة كبيرة عند تصنيف الحيوانات ومكافأة صغيرة للأدوات، والعكس صحيح للنصف الآخر. وفي اليوم التالي، فاجأ الباحثون المشاركين باختبار للذاكرة حول ما رأوه سابقًا. النتائج كانت لافتة: الحصول على مكافأة كبيرة عزز تذكر الصور التي عُرضت سابقًا من نفس الفئة بنسبة 5% تقريبًا. بعبارة أخرى، عندما يحصل الدماغ على “جائزة” عاطفية أو مادية، فإنه يعود للوراء قليلًا لينقذ الذكريات المرتبطة بهذا الحدث من النسيان.

بوابة لعلاجات مستقبلية وأساليب تعليمية

يعلق جوزيف دانسمور، عالم الأعصاب الإدراكي بجامعة تكساس في أوستن، بأن هذه الدراسة هي من بين الأوائل التي تظهر أن الذكريات الضعيفة تكون أكثر عرضة للالتقاط والتثبيت عندما تكون “ذات صلة” بالذاكرة القوية، قائلًا: “الحدث الذي وقع في الماضي يكتسب فجأة معنى أكبر”.

هذا الفهم العميق لكيفية عمل الذاكرة يفتح أبوابًا واسعة للتطبيق العملي. يرى لين أن المعالجين النفسيين قد يتمكنون مستقبلًا من مساعدة الناجين من الصدمات عبر تعزيز الذكريات العادية والإيجابية التي سبقت الحدث الصادم، مما قد يخفف من وطأة الألم النفسي المرتبط بالصدمة. وفي الفصول الدراسية، قد يبتكر المعلمون استراتيجيات حركية أو عاطفية (مثل القفز بحماس عند حل مسألة رياضية) لضمان أن المعلومات “الجافة” قد تم تثبيتها في أذهان الطلاب بفضل المشاعر المصاحبة لها.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!