Table of Contents
لولا الحصان، لما كان لشكل الحضارة البشرية أن يكون كما نعرفه اليوم. لقد حملت ظهور هذه الكائنات أثقال التاريخ، وسرّعت حركة الجيوش، ورسمت حدود الإمبراطوريات. لكن، هل سألت نفسك يومًا: كيف تحوّل هذا الحيوان البري الجامح إلى كائن مطيع يقبل الامتطاء ويتحمل وزن الفارس لمسافات طويلة؟ الإجابة لا تكمن فقط في التدريب القاسي، بل في “هندسة وراثية” عفوية قادها البشر منذ العصر البرونزي.
أسرار الترويض في “الأرشيف” الجيني
لسنوات طويلة، ظل اللغز يحير علماء الآثار والجينات: متى وأين وكيف أصبح الحصان حيوانًا أليفًا؟ تشير الأدلة الأثرية والحمض النووي القديم إلى أن الخيول المستأنسة الحديثة نشأت في جنوب غرب روسيا قبل أكثر من 4200 عام. ولكن، ما الذي تغير تحديدًا في بيولوجيا الحصان ليسمح بهذا التحول الجذري؟
في دراسة حديثة نشرت في دورية Science، قام فريق دولي بقيادة عالم الآثار الجزيئية لودوفيك أورلاندو (من مركز الأنثروبولوجيا وعلم الجينوم في تولوز بفرنسا)، بتحليل الجينوم الكامل لـ 71 حصانًا من سلالات وفترات زمنية مختلفة. ركز الباحثون عدساتهم المكبرة على 266 موقعًا في الجينوم لتتبع تاريخ التغيرات الوراثية منذ بداية عملية التدجين.

الجين الذي هدأ الروع
كشفت التحليلات عن وجود جينين رئيسيين تعرضا لـ “انتخاب” (Selection) قوي ومكثف من قبل المربين الأوائل. الجين الأول، المعروف باسم ZFPM1، يرتبط بمستويات القلق وجودة الحياة النفسية (كما يظهر في دراسات الفئران والبشر). لاحظ العلماء أن هذا الجين خضع لتغيرات كبيرة قبل حوالي 5000 عام، مما يشير إلى أن الخطوة الأولى في ترويض الخيول لم تكن تتعلق بالقوة البدنية، بل بالطباع.
كان الهدف الأول للإنسان القديم هو جعل هذا الحيوان أقل توترًا وأكثر طواعية، وهي سمة أساسية لأي حيوان يُراد له العيش جنبًا إلى جنب مع البشر.
ظهرٌ قوي لحمل الأثقال
القصة لم تنتهِ عند الهدوء النفسي. فبعد فترة وجيزة، وتحديدًا بين 4700 و4200 عام مضت، برز تغير جيني آخر أكثر دراماتيكية بالقرب من الجين المسمى GSDMC. هذا التغير كان مفصليًا في تحويل الحصان إلى مركبة حية.
في البشر، ترتبط الطفرات في هذا الموقع الجيني بأمراض الظهر المزمنة والألم. أما في الخيول، فقد وجد العلماء أنها ترتبط بنسبة طول الجسم إلى ارتفاعه. وللتأكد من تأثير هذا الجين، أجرى الفريق تجارب على فئران عُدلت وراثيًا لتعطيل عمل GSDMC، وكانت النتيجة مذهلة: طورت الفئران عمودًا فقريًا أكثر استقامة وأطرافًا أمامية أقوى.
يرجح أورلاندو وزملاؤه أن التغيرات في هذا الجين منحت الخيول القديمة عمودًا فقريًا أقوى وقدرة أفضل على تحمل وزن الفارس دون أن تنهار أو تتألم. وخلال بضع مئات من السنين فقط، قفزت وتيرة انتشار هذا المتغير الجيني من ندرة تكاد لا تذكر إلى وجود شبه كامل في جميع الخيول.
ثورة التكنولوجيا الحيوية في العصر البرونزي
ما حدث كان بمثابة ثورة بيوتكنولوجية مبكرة. الخيول التي حملت هذه الطفرة (طفرة الظهر القوي) أنتجت نسلًا أكثر بنسبة تقدر بـ 20% مقارنة بالخيول التي تفتقر إليها. ويقول أورلاندو معلقًا على هذه النسبة المرتفعة: “عندما ترى شيئًا كهذا، تدرك أنك أمام عامل غيّر قواعد اللعبة البيولوجية للخيول تمامًا”.
هذا الانتشار السريع يعني أن البشر في ذلك العصر تعمدوا إكثار الخيول التي تحمل هذه الصفات، لأنها كانت ببساطة أكثر نفعًا وكفاءة في النقل والحرب. وتتفق سامانثا بروكس، عالمة الوراثة بجامعة فلوريدا، مع هذا الطرح، واصفة النتائج بأنها “دليل ظرفي قوي ومدوٍ” يربط بين السجلات الأثرية والتغيرات الجينية الدقيقة.
ما وراء الجينات
رغم أن الجين GSDMC يبدو بطل القصة في جعل الخيول قابلة للركوب، إلا أن أورلاندو يشير بذكاء إلى أن الصورة قد تكون أعقد. ربما توجد جينات أخرى لم ترصدها الدراسة، أو ابتكارات ثقافية بشرية – مثل أساليب التعامل والترويض – لم تترك أثرًا في الحمض النووي لكنها كانت حاسمة في العلاقة بين الإنسان والحصان.
يتطلع الفريق البحثي الآن إلى توسيع نطاق الدراسة لفهم كيف ساهمت سمات وراثية محددة في صعود إمبراطوريات السهوب في منغوليا والصين، تلك الإمبراطوريات التي كان الحصان وقودها المحرك.