Table of Contents
خلف النجوم الثمانية التي تشكّل ملامح “إبريق الشاي” الشهير في كوكبة الرامي، كان يختبئ سرٌّ مظلم لطالما راوغ الفلكيين. في تلك البقعة من سماء الصيف الجنوبية، لا يلمع شيء، بل يعبر “شبح” ثقيل وغير مرئي، يتجول وحيداً في الفراغ دون رفيق. لطالما افترض العلماء نظرياً وجود ملايين من هذه الأجرام الهائمة، لكن العثور على واحد منها كان أشبه بالبحث عن قطة سوداء في غرفة مظلمة، والآن، يبدو أننا أمسكنا بالطرف الخيط لأول مرة.
نهاية الجدل: ليس نجماً نيوترونياً
لقد حسمت بيانات جديدة قادمة من تلسكوب هابل الفضائي جدلاً علمياً استمر لسنوات حول طبيعة جرم غامض يعبر كوكبة الرامي (Sagittarius). ففي عام 2022، أعلن فريق بقيادة كايلاش ساهو، عالم الفلك في معهد علوم تلسكوب الفضاء في بالتيمور، عن اكتشاف هذا الجرم المظلم. لكن الاحتفال بالاكتشاف لم يدم طويلاً، إذ شكك فريق بحثي آخر في النتائج، مقترحاً أن الجرم قد يكون مجرد نجم نيوتروني (Neutron Star)، وهو بقايا كثيفة لنجم ميت، وليس ثقباً أسود.
لكن البيانات الحديثة التي نشرها فريق ساهو مؤخراً في دورية “الفيزياء الفلكية” (Astrophysical Journal) قطعت الشك باليقين. أظهرت القياسات الدقيقة أن كتلة هذا الجرم كبيرة جداً لدرجة يستحيل معها أن يكون نجماً نيوترونياً؛ إنه بلا شك ثقب أسود وحيد، يهيم في الفضاء دون أن يدور حول نجم آخر، وهي الحالة الأولى المؤكدة من نوعها.
كيف ترى ما لا يُرى؟
تكمن صعوبة هذا الاكتشاف في طبيعة الثقوب السوداء ذات الكتلة النجمية المعروفة سابقاً؛ فجميعها تقريباً تم اكتشافها لأنها تلتهم مادة من نجم مرافق، مما ينتج عنه أشعة سينية تفضح وجودها. لكن الثقوب السوداء المنعزلة لا تطلق ضوءاً ولا تملك رفيقاً يشي بمكانها. إذن، كيف رآه ساهو وفريقه؟
استخدم الباحثون تقنية تعتمد على نظرية النسبية لأينشتاين تُعرف بـ “تعديس الجاذبية الميكروي” (Gravitational Microlensing). عندما يمر جسم ذو كتلة هائلة (الثقب الأسود) أمام نجم بعيد (في الخلفية)، تعمل جاذبية الثقب الأسود كعدسة مكبرة، فتحني ضوء النجم الخلفي وتضخمه وتغير موقعه الظاهري قليلاً.
هذا الحدث الكوني الدقيق بدأ في يوليو 2011، لكن الأمر تطلب صبراً أيوبياً؛ إذ استغرقت عملية الرصد والتحليل أكثر من عقد من الزمان. يقول ساهو موضحاً: “تستغرق عمليات الرصد وقتاً طويلاً جداً، فكلما زادت فترة المراقبة واتسعت قاعدة البيانات، زادت دقة النتائج”.
أرقام دقيقة وجارٌ كوني قريب
دمج الفريق بيانات رصد هابل الممتدة من 2011 إلى 2017 مع ملاحظات حديثة من عامي 2021 و2022، بالإضافة إلى بيانات من مركبة “غايا” (Gaia) الفضائية. وكانت النتيجة حاسمة: الثقب الأسود يمتلك كتلة تعادل حوالي سبعة أضعاف كتلة شمسنا (مع هامش خطأ ضئيل يبلغ 0.8 كتلة شمسية). ويؤكد ساهو أن “معدل عدم اليقين انخفض إلى النصف مقارنة بما كان لدينا سابقاً”.
الملفت في الأمر أن الفريق الثاني الذي شكك سابقاً في الاكتشاف، عاد وراجع حساباته في عام 2023 ليوافق على أن الجرم هو بالفعل ثقب أسود، مقدراً كتلته بستة أضعاف كتلة الشمس، وهي نتيجة تتسق علمياً مع استنتاجات فريق ساهو.
يقع هذا الجرم على بعد 5000 سنة ضوئية فقط من الأرض، مما يجعله جاراً كونياً قريباً نسبياً، خاصة عند مقارنته بالثقب الأسود العملاق القابع في مركز مجرتنا (والذي يقع أيضاً في اتجاه الرامي) على بعد 27,000 سنة ضوئية.
حقبة جديدة من صيد الأشباح
يفتح هذا التأكيد الباب واسعاً أمام فهم أعمق لتعداد سكان مجرتنا من الثقوب السوداء الخفية. وتُعد المنطقة المكتظة بالنجوم حول مركز المجرة ساحة صيد مثالية لهذه الأحداث النادرة، حيث تزيد كثافة النجوم من فرص مرور ثقب أسود أمام أحدها.
ويتطلع ساهو ومجتمع الفلك العالمي الآن إلى إطلاق تلسكوب “نانسي غريس رومان” (Nancy Grace Roman Space Telescope) المقرر في عام 2027، والذي صُمم ليمسح مساحات شاسعة من السماء، مما يبشر باكتشاف المزيد من هذه الأشباح الهائمة التي كانت، حتى وقت قريب، مجرد فرضيات رياضية تسبح في خيال الفيزيائيين.