Table of Contents
غالباً ما نتعامل مع هياكلنا العظمية كدعامات صلبة وثابتة لا تستدعي الانتباه إلا عند وقوع حادث أو، كما جرت العادة في الثقافة الغربية، عند استحضار صور الهياكل العظمية في احتفالات الهالوين. لكن الحقيقة البيولوجية التي يغفل عنها الكثيرون هي أن عظامنا نسيج حي وديناميكي يتغير باستمرار، وأن إهمالها حتى الوصول إلى مرحلة الشيخوخة قد يكون خطأً فادحاً، خاصة بالنسبة للنساء اللواتي يواجهن تحدياً فسيولوجياً حاسماً مع تقدم العمر.
اللص الصامت: ما بعد سن الخامسة والستين
مع التقدم في السن، تفقد العظام كثافتها وصلابتها تدريجياً، مما يمهد الطريق للإصابة بمرض “هشاشة العظام” (Osteoporosis)، تلك الحالة التي تجعل العظام ضعيفة وقابلة للكسر من أدنى مجهود. وتشير الإحصائيات الصادرة عن المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) إلى أن هذا الخطر يهدد النساء بشكل أكبر؛ حيث تعاني حوالي 27% من النساء فوق سن 65 عاماً من الهشاشة، مقارنة بـ 6% فقط من الرجال في نفس الفئة العمرية.
لا تكمن خطورة هشاشة العظام في الألم فحسب، بل في العواقب الكارثية للكسور. تُعد كسور الورك، على وجه الخصوص، نقطة تحول خطيرة في حياة المسن؛ إذ تشير الدراسات إلى أن نحو 20% من المصابين بكسر في الورك يتوفون في غضون عام واحد من الإصابة. أما الناجون، فإن 40% إلى 60% منهم فقط يستعيدون قدرتهم السابقة على الحركة، مما يعني تدهوراً كبيراً في جودة الحياة والاستقلالية.
الفجوة الحرجة: لماذا لا يجب الانتظار؟
في يناير الماضي، جددت “فرقة الخدمات الوقائية الأمريكية” توصيتها بضرورة خضوع النساء اللواتي يبلغن 65 عاماً أو أكثر لفحص كثافة العظام. لكن، هل يعني هذا أن النساء الأصغر سناً في مأمن؟ تجيب نيكول رايت، عالمة أوبئة هشاشة العظام في جامعة تولين في نيو أورleasنز: “إن التركيز على فئة ما بعد الستين مبرر بسبب ارتفاع معدلات الكسور، لكن هذا لا يعني أبداً أن النساء الأصغر سناً يجب ألا يقلقن بشأن صحة عظامهن”.
تبدأ القصة الحقيقية لفقدان العظام في وقت مبكر، وتحديداً حول مرحلة انقطاع الطمث (Menopause). ففي السنة التي تسبق آخر دورة شهرية ولمدة عامين بعدها تقريباً، تنخفض كثافة العظام بمعدل 2% سنوياً نتيجة التراجع الحاد في مستويات هرمون الإستروجين الوقائي. وبعد هذه المرحلة الحرجة، تستمر العظام في التناقص ولكن بوتيرة أبطأ.
معضلة الفحص المبكر ومنطقة “اللايقين”
تواجه النساء في مرحلة ما بعد انقطاع الطمث، وتحديداً في الفئة العمرية بين 50 و64 عاماً، ما يشبه المنطقة الرمادية طبياً. فلا توجد توصية شاملة بفحص جميع النساء في هذا العمر، بل يقتصر الأمر عادةً على من لديهن عوامل خطر مرتفعة، مثل التدخين، أو وجود تاريخ عائلي للكسور، أو الإصابة بأمراض مثل التهاب المفاصل الروماتويدي والسكري، أو تناول أدوية تؤثر على العظام مثل الجلوكوكورتيكويد.
وتشير الأبحاث الحديثة المنشورة في دورية (JAMA Network Open) إلى أن أدوات التنبؤ بمخاطر الهشاشة والكسور لا تعمل بكفاءة عالية لهذه الفئة العمرية الأصغر. وتوضح كريستين إنسرود، طبيبة الباطنة وعالمة الأوبئة في جامعة مينيسوتا، أن التحدي يكمن في غياب أدلة قاطعة توازن بين فوائد ومضار بدء العلاج الدوائي للنساء الأصغر سناً في مرحلة ما بعد انقطاع الطمث، مما يتركهن في حالة من الترقب.
استراتيجيات الدفاع: العودة إلى الأساسيات
رغم عدم اليقين بشأن الفحوصات المبكرة، يؤكد الخبراء أن الاستسلام ليس خياراً. تقول نيكول رايت: “الأمر ليس حتمياً بأننا بمجرد وصولنا لسن انقطاع الطمث سنصاب جميعاً بهشاشة العظام”. هناك خطوات فعالة يمكن اتخاذها لإبطاء تدهور الكثافة العظمية.
الحل يكمن في العودة إلى الكلاسيكيات الصحية: التمارين الرياضية والتغذية السليمة. وتشدد الدكتورة إنسرود على أهمية “تمارين حمل الوزن” (Weight-bearing exercises) مثل المشي والجري، بالإضافة إلى تمارين تقوية العضلات. وتضيف نقطة جوهرية غالباً ما نغفل عنها: “تذكروا أن الكثير من الكسور ناتجة عن السقوط، لذا عليكم العمل على تمارين التوازن”.
إلى جانب الحركة، يبقى الكالسيوم وفيتامين (د) حجر الزاوية في بناء العظام، ويفضل الحصول عليهما من مصادر غذائية طبيعية مع تجنب التدخين والإفراط في الكحول. كما أن النساء اللواتي يستخدمن العلاج الهرموني لأعراض انقطاع الطمث يحصلن على فائدة إضافية تتمثل في حماية العظام بفضل تعزيز مستويات الإستروجين.
في النهاية، تدعو رايت إلى تغيير نظرتنا لهياكلنا العظمية. فبينما نجح الطب والتوعية في تسليط الضوء على صحة القلب وسرطان الثدي، لا تزال صحة العظام تنتظر نصيبها من الاهتمام. العظام ليست مجرد هياكل جامدة، بل هي أساس حركتنا واستقلاليتنا، وحمايتها تبدأ بقرار واعي قبل سنوات من الوصول إلى مرحلة الخطر.