خلف المذاق الحلو المميز لكعك القمر (Mooncakes) الشهير، وداخل حشوة عجينة «الموتشي» اليابانية، يكمن مكون أساسي لا تكتمل حلويات شرق آسيا بدونه: الفاصوليا الحمراء، أو ما يُعرف بـ«الأزوكي». ورغم حضورها الطاغي في المطبخ الآسيوي، ظل السؤال حول جذور هذه البقوليات لغزاً محيراً لسنوات طويلة؛ فبينما تشير أصابع الاتهام الأثري إلى اليابان، كانت الأدلة الجينية تميل بوضوح نحو الصين. اليوم، تتدخل التكنولوجيا الحيوية المتقدمة لفض هذا الاشتباك التاريخي، كاشفة عن قصة تدجين معقدة تتجاوز مجرد الزراعة لترتبط بالذائقة الجمالية للإنسان القديم.
اليابان.. الموطن الأول المفقود
لسنوات طويلة، عاش العلماء في حيرة بين دليلين متناقضين. من ناحية، عُثر على حفريات لفاصوليا الأزوكي في مواقع أثرية باليابان تعود لشعب «الجومون» (Jomon) – وهم صيادون وجامعو ثمار عاشوا هناك قبل 16 ألف عام. ومن ناحية أخرى، أظهرت التحليلات الجينية السابقة أن الأصناف المزروعة في الصين تمتلك تنوعاً وراثياً أكبر، وهو عادةً مؤشر قوي على أن التدجين بدأ هناك، حيث يميل الموطن الأصلي لأي محصول لأن يضم التنوع الجيني الأوسع.

لكن دراسة حديثة نشرت في دورية Science قلبت الموازين. فقد قام فريق بحثي بقيادة تشينغ روي لي، عالم الوراثة التطورية في جامعة تايوان الوطنية، بتحليل ما يقرب من 700 جينوم من فاصوليا الأزوكي البرية والمزروعة في جميع أنحاء آسيا. النتيجة كانت حاسمة ومفاجئة: عملية التدجين الأولى حدثت في اليابان قبل ما يتراوح بين 3000 و5000 عام، لتنتشر لاحقاً إلى الصين ومناطق أخرى.
فك شيفرة التناقض الجيني
كيف فسر العلماء التناقض بين أصلها الياباني وتنوعها الجيني في الصين؟ الإجابة تكمن في الفرق بين نوعين من الحمض النووي داخل الخلية النباتية. وجد الباحثون أنه بينما تظهر الأصناف الصينية تنوعاً كبيراً في حمضها النووي النوي (الذي يرثه النبات من كلا الوالدين)، فإن حمضها النووي للبلاستيدات الخضراء (Chloroplast DNA) – الذي يورث حصرياً من الأم ويتطور ببطء شديد – يتطابق بشكل مذهل مع الفاصوليا اليابانية البرية.
يقول تشينغ روي لي مفسراً هذا الاكتشاف: «الطريقة الوحيدة للتوفيق بين هذه الأفكار المتنافسة هي سيناريو واحد: لقد دُجنت الفاصوليا أولاً في اليابان، ثم انتقلت إلى الصين». ويوضح لي أنه بمجرد وصول المحصول إلى الصين، حدث تزاوج (تهجين) بينه وبين الفاصوليا الحمراء البرية المحلية هناك، مما أكسب المحصول تنوعاً وراثياً هائلاً ورثه من الآباء المحليين، محتفظاً في الوقت ذاته بالبصمة الوراثية الأمومية لأصله الياباني.
سر اللون الأحمر القاني
لم تتوقف الاكتشافات عند تحديد الموقع الجغرافي، بل غاصت الدراسة في أسرار الشكل الخارجي. في البرية، تكون حبوب الأزوكي شاحبة اللون ومرقطة ببقع داكنة، وهي سمات تساعدها على التمويه في الطبيعة. أما الأصناف التي نراها اليوم في الأسواق فهي ذات لون أحمر قاني وموحد. حدد الفريق طفرتين جينيتين مسؤولتين عن هذا التحول الجذري: طفرة تكبح معالجة الصبغات مما يؤدي لتراكم الصبغة الحمراء، وأخرى تحذف الجين المسؤول عن النمط المرقط.
المثير للاهتمام أن تتبع المسار التطوري لهذه الطفرات، إلى جانب طفرة ثالثة تمنع القرون من الانفجار تلقائياً (وهي سمة مفيدة للمزارعين لمنع ضياع المحصول)، أظهر أن هذه الصفات بدأت في الظهور والانتشار ببطء قبل حوالي 10,000 عام، أي قبل فترة طويلة من اكتمال عملية التدجين.
جماليات ما قبل الزراعة
يرى الباحثون أن اللون الأحمر لا يقدم أي ميزة بقائية للنبات في البرية، مما يشير إلى أن انتشاره كان مدفوعاً بتفضيلات البشر الجمالية والثقافية. لطالما اعتبر اللون الأحمر رمزاً للحظ في الثقافات الآسيوية، كما استخدمه شعب الجومون بكثرة في تلوين أواني الفخار المطلية باللّك (Lacquerware). يبدو أن المزارعين الأوائل لم يختاروا النباتات الأكثر إنتاجية فحسب، بل تلك التي سحرت عيونهم بلونها.
تُعد هذه النتائج دليلاً إضافياً يعيد الاعتبار لشعب الجومون، مظهرة إياهم ليس كمجرد جامعي طعام بدائيين، بل كمجتمعات مارست شكلاً مبكراً وواعياً من إدارة الموارد النباتية وتدجينها، وهو ما يعزز الأدلة الأثرية السابقة بأدلة وراثية دامغة لا تقبل الشك.
