Table of Contents
عندما دوت صفارات الإنذار عبر المحيط الهادئ في التاسع والعشرين من يوليو، حبست شعوب المنطقة أنفاسها خوفًا من تكرار كوارث الماضي. فقد سُجل زلزال هائل بقوة 8.8 درجة قبالة شبه جزيرة كامتشاتكا في الشرق الأقصى الروسي، وهو حدث صُنف ضمن أقوى الزلازل المسجلة تاريخيًا، مما أثار مخاوف فورية من موجات تسونامي مدمرة تشبه تلك التي أعقبت زلزال “توهوكو” في اليابان عام 2011 أو زلزال المحيط الهندي عام 2004. لكن، وعلى عكس التوقعات القاتمة، لم يتبع هذا الزلزال طوفان مدمر، ومرت الساعات التالية بسلام نسبي. فما الذي حدث في باطن الأرض وجعل هذا الزلزال “رحيمًا” بسواحل المحيط الهادئ؟
مصنع الزلازل الروسي
وقع هذا الزلزال العنيف في بيئة جيولوجية شديدة الاضطراب تُعرف بـ “منطقة الاندساس” (Subduction Zone)، وهي المناطق التي تغوص فيها صفيحة تكتونية تحت أخرى. في هذه البقعة بالتحديد، تنزلق صفيحة المحيط الهادئ أسفل صفيحة أوخوتسك بمعدل سريع جيولوجيًا يبلغ حوالي 75 مليمترًا سنويًا. وتتراكم الطاقة الهائلة في الصدوع الكبرى بين هذه الصفائح، لتتحرر فجأة وبشكل دوري في صورة زلازل عنيفة.
يوضح ريتش بريجز، الجيولوجي في هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)، طبيعة هذه المنطقة قائلًا: «إنها منطقة تتوفر فيها المساحة الكافية والظروف الحرارية والعمق المناسب لحدوث انزلاقات أرضية هائلة». ويصف بريجز المنطقة بأنها أشبه بـ “مصنع للزلازل”، حيث تتضافر عوامل عديدة لاستضافة هزات أرضية كبرى. ولم يكن هذا الحدث معزولًا؛ فقد شهدت كامتشاتكا زلزالًا بقوة 7.4 درجة قبل أقل من أسبوعين، وآخر بقوة 7.1 في العام الماضي، ناهيك عن أنها كانت مسرحًا لخامس أكبر زلزال في التاريخ عام 1952 بقوة 9.0 درجات.
سر غياب التسونامي المدمر
رغم أن الزلزال ولّد موجات تسونامي بالفعل، إلا أنها لم تكن بالقوة التدميرية المتوقعة لمثل هذا الحجم الزلزالي. يكمن السر، وفقًا للخبراء، في عمق وميكانيكية الزلزال. حدد العلماء بؤرة الزلزال (Hypocenter) على عمق 21 كيلومترًا داخل القشرة الأرضية. ورغم أن هذا العمق يعتبر ضحلًا نسبيًا، إلا أنه لعب دورًا حاسمًا في تقليل إزاحة المياه.
يشير بريجز إلى أن الزلازل التي تحدث في مناطق الاندساس غالبًا ما ترفع مساحات واسعة من قاع البحر، مما يزحزح كميات هائلة من المياه ويولد التسونامي. ولكن في حالة زلزال روسيا الأخير، يبدو أن حركة الصدع لم تصل تمامًا إلى سطح قاع البحر كما حدث في زلازل توهوكو والمحيط الهندي. يقول بريجز موضحًا: «لكي تدفع موجة عملاقة لتقطع المحيط الهادئ بأكمله، تحتاج إلى مصدر طاقة وحشي، وهذا الزلزال كان يقف فقط عند عتبة ذلك الباب دون أن يفتحه بالكامل».
وبالفعل، اقتصرت التأثيرات على موجات بارتفاع 3 إلى 5 أمتار ضربت شبه جزيرة كامتشاتكا وأغرقت بلدة سيفيرو-كوريلسك الساحلية، بينما وصلت موجات أصغر (حوالي 1.5 متر) إلى هاواي وكاليفورنيا بعد ساعات، دون أن تسبب دمارًا واسعًا، مما دفع السلطات لاحقًا إلى إلغاء أو تخفيض التحذيرات.
نشاط بركاني ومخاطر لا تزال قائمة
في تطور لافت، بدأ بركان كليوتشيفسكوي (Klyuchevskoy) في شبه جزيرة كامتشاتكا بالثوران بعد ساعات قليلة من الزلزال. ورغم أنه أكبر بركان نشط في نصف الكرة الشمالي، إلا أن العلماء يترددون في تأكيد وجود صلة مباشرة بين الحدثين. تعلق ليزا ماكنيل، الجيولوجية بجامعة ساوثهامبتون في المملكة المتحدة، بأن الزلزال يبدو وكأنه يملأ فجوة في منطقة الصدع ويحرر الطاقة المخزنة، لكن العلاقة المكانية الدقيقة مع الزلازل التاريخية السابقة لا تزال قيد الدراسة.
أما بالنسبة للمستقبل القريب، فإن الخطر لم يتبدد تمامًا. فقد سُجلت عشرات الهزات الارتدادية (Aftershocks)، وتُظهر بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية احتمالًا بنسبة 60% لحدوث هزة ارتدادية بقوة 7.0 درجات أو أكبر خلال الأسبوع التالي للزلزال الرئيسي. ويختتم بريجز تحذيره قائلًا: «رغم أن احتمال أن يتبع أي زلزال زلزالٌ آخر أكبر منه هو احتمال ضئيل ويتناقص مع مرور الأيام، إلا أنه يظل قائمًا، وهو ما يستدعي البقاء في حالة تأهب دائم لما تخفيه مناطق الاندساس حول العالم».