Table of Contents
في أقاصي الشمال المتجمد، تبدو المعادلة البيئية واضحة بقدر ما هي قاسية: جليد بحري أقل يعني منصات صيد أقل، وبالتالي دببة هزيلة تواجه شبح الجوع والانقراض. هذه هي القاعدة المسلم بها في علوم المناخ، لكن في أرخبيل نرويجي ناءٍ، قررت الطبيعة أن تعبث بهذه الحسابات وتقدم لنا مفارقة علمية أذهلت الباحثين؛ فبينما يذوب العالم من حولها وتتلاشى مساحات الجليد بمعدلات قياسية، تزداد الدببة القطبية هناك سمنة واكتنازاً، في تحدٍ صارخ للمنطق البيئي المعتاد.
مخالفة التوقعات في “بحر بارنتس”
يقع أرخبيل “سفالبارد” (Svalbard) الجليدي على بعد حوالي 800 ميل شمال الدائرة القطبية الشمالية، وسط مياه بحر “بارنتس”. وتكتسب هذه المنطقة أهمية خاصة لدى علماء المناخ، إذ تشهد فقداناً للجليد البحري بسرعة تعادل ضعف المعدل المسجل في بقية الموائل القطبية. المنطق العلمي يقتضي أن تكون الدببة القطبية هنا هي الأكثر تضرراً وهزالاً، نظراً لاعتمادها الكلي على الجليد كمنصة لصيد فرائسها المفضلة.

لكن النتائج التي نشرها الباحثون في مجلة Scientific Reports في التاسع والعشرين من يناير جاءت معاكسة تماماً لهذه التوقعات القاتمة. فقد قام فريق بحثي بقيادة عالم بيئة الدببة القطبية جون آرس (Jon Aars) من “المعهد القطبي النرويجي” في ترومسو، بتحليل بيانات مستفيضة شملت مستويات الجليد البحري وقياسات دهون الجسم لـ 770 دباً قطبياً بالغاً، تم جمعها على مدار ربع قرن (من 1995 إلى 2019). ورغم أن المنطقة فقدت ما يقارب 100 يوم من غطائها الجليدي خلال هذه الفترة، إلا أن الدببة سجلت، في المتوسط، زيادة في كتلة الدهون بدلاً من فقدانها.
مرونة التكيف وقائمة الطعام البديلة
كيف تمكنت هذه الكائنات الضخمة من الحفاظ على مخزونها الشحمي -الذي يعد مؤشراً حيوياً للصحة والبقاء- في بيئة تنهار مقوماتها التقليدية؟ يرجح العلماء أن الإجابة تكمن في المرونة الغذائية. يشير جون آرس إلى أن الدببة القطبية في سفالبارد تتكيف ببراعة مع الواقع الجديد، حيث بدأت في تعديل سلوكها الغذائي لتعويض النقص في الصيد التقليدي.
يبدو أن الدببة قد وسّعت قائمة طعامها لتشمل طرائد برية وبحرية جديدة أصبحت أكثر وفرة مع ارتفاع درجات الحرارة. تشمل هذه القائمة حيوانات الرنة التي ترعى على اليابسة، بالإضافة إلى “فقمات الميناء” (Harbor seals) التي تزدهر أعدادها في المياه الأكثر دفئاً وتتواجد بالقرب من الشواطئ، مما يجعلها صيداً متاحاً حتى مع انحسار الجليد العائم. هذا التحول الدراماتيكي في النظام الغذائي سمح للدببة بالحفاظ على مستوى لياقتها البدنية رغم التغيرات البيئية العنيفة.
استثناء لا يلغي القاعدة
رغم أن هذه الأخبار تبدو إيجابية للوهلة الأولى، إلا أنها لا تنفي الخطر الوجودي الذي يهدد الدببة القطبية عالمياً. يعد فقدان الجليد البحري التهديد الأكبر لجميع مجموعات الدببة القطبية العشرين المنتشرة في القطب الشمالي. فالدببة تعتمد على الجليد الذي ينمو شتاءً وينحسر صيفاً للوصول إلى الفقمات الغنية بالدهون. وفي العادة، يرتبط انخفاض الجليد ارتباطاً وثيقاً بنقص الدهون لدى الدببة، وهو ما يعد نذير شؤم يؤدي لانخفاض معدلات التكاثر وارتفاع وفيات الصغار وكبار السن.
ما يحدث في سفالبارد قد يكون حالة استثنائية من التكيف المحلي، أو كما يصفه آرس: “لقد رأينا أن الدببة القطبية قادرة على التعامل بشكل جيد مع الظروف الحالية في سفالبارد، رغم اختلافها الجذري عما كانت عليه قبل 20 أو 30 عاماً”.
هل نحن أمام نقطة حرجة؟
لا ينبغي الإفراط في التفاؤل، فالقدرة على التكيف لها حدود. يحذر الفريق البحثي من أن استمرار هذا الاتجاه الإيجابي غير مضمون في المستقبل. يقول آرس بوضوح: “هذا لا يعني أن الدببة القطبية ستكون بخير في المستقبل”.
الخوف الحقيقي يكمن في الوصول إلى “عتبة حرجة” (Threshold)؛ نقطة معينة من فقدان الجليد قد تصبح بعدها الحلول البديلة غير كافية، وانهيار النظام البيئي أسرع من قدرة الدببة على إيجاد مصادر بديلة للغذاء. إن صمود دببة سفالبارد اليوم هو شهادة مذهلة على قوة الحياة البرية، ولكنه أيضاً تذكير بأن الطبيعة قد تمنح الكائنات وقتاً مستقطعاً للتكيف، لكنها لا تمنح شيكاً على بياض للبقاء إلى الأبد في ظل استمرار الاحترار العالمي.