هناك حاجة إلى استراتيجيات بناءة للحفاظ على النظام البيئي، والتي تهدف إلى منع إزالة الغابات، وتقليل التفاعلات بين الحيوان والإنسان

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

سوريش كوتشيبودي* – (ذا كونفرسيشن) 4/3/2020

يشكل مرض فيروس كورونا، المعروف باسم “كوفيد-19″، تذكيراً مخيفاً بالتهديد العالمي الوشيك الذي تشكله الأمراض المعدية الناشئة. وعلى الرغم من أن الأوبئة ظلت تظهر دائماً في كل تاريخ البشرية، فإنها تبدو الآن في تزايد. وفي الأعوام العشرين الماضية فقط، تسببت فيروسات كورونا وحدها في ثلاث موجات كبرى من تفشي الأوبئة في جميع أنحاء العالم. ولعل الأكثر إثارة للقلق أن المدة الزمنية بين انفجار هذه الأوبئة الثلاثة أصبحت أقصر.

أنا عالم فيروسات والمدير المساعد لمختبر التشخيص الحيواني في جامعة ولاية بنسلفانيا، ويدرس مختبري الفيروسات الحيوانية، تلك التي تقفز من الحيوانات إلى البشر. وكما لاحظنا، تشترك معظم الأوبئة في شيء واحد على الأقل: أنها بدأت عملها المميت في آسيا أو أفريقيا. والأسباب قد تفاجئك.

الانفجار السكاني وتغير المشهد الحضَري

يشكل التغير غير المسبوق في عدد السكان أحد الأسباب وراء ظهور المزيد من الأمراض في آسيا وأفريقيا. وإلى جانبه تشهد جميع أنحاء آسيا ومنطقة المحيط الهادئ؛ حيث يعيش 60 في المائة من سكان العالم، تحضُّراً سريعاً. ووفقاً للبنك الدولي، انتقل ما يقرب من 200 مليون شخص إلى المناطق الحضرية في شرق آسيا خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وحده. وحتى نضع هذه الحقيقة في منظورها، فإن 200 مليون شخص يمكن أن يشكلوا ثامن أكبر دولة من حيث عدد السكان في العالم.

تعني الهجرة على هذا النطاق تدمير أراضي الغابات لتوفير المناطق السكنية. كما أن الحيوانات البرية، التي تُجبر على الاقتراب من المدن والبلدات، سوف تلتقي حتماً بالحيوانات الأليفة والسكان البشر. وغالباً ما تستضيف الحيوانات البرية في أجسامها فيروسات. وتستطيع الخفافيش، على سبيل المثال، أن تحمل المئات منها. وتستطيع الفيروسات، التي تقفز من أحد الأنواع الحية إلى آخر، أن تصيب البشر في النهاية.

في نهاية المطاف، يصبح التحضر المفرط أشبه بدائرة شرسة: المزيد من الناس يجلبون المزيد من إزالة الغابات، ويؤدي التوسع البشري وفقدان الموائل الطبيعية في النهاية المطاف إلى قتل الحيوانات المفترسة، بما فيها تلك التي تتغذى على القوارض. ومع اختفاء الحيوانات المفترسة -أو مع انخفاض أعدادها بحدة على الأقل- تنفجر أعداد القوارض. وكما تظهر الدراسات في إفريقيا، كذلك يفعل خطر إصابة البشر بأمراض حيوانية.

وهذا الوضع مرشح لأن يزداد سوءا فحسب؛ ما تزال نسبة كبيرة من سكان شرق آسيا يعيشون في المناطق الريفية. ومن المتوقع أن يستمر اتجاه التحضر والانتقال إلى المدن لعقود مقبلة.

زراعة الكفاف وأسواق الحيوانات

تحتوي المناطق الاستوائية، الغنية بالتنوع البيولوجي، على مجموعة كبيرة من مسببات الأمراض مسبقاً، وهو ما يزيد بشكل كبير من فرصة ظهور مسببات أمراض جديدة. وإلى جانب ذلك، فإن النظام الزراعي في جميع أنحاء أفريقيا وآسيا لا يساعد.

في كلتا القارتين، تعتمد العديد من العائلات على زراعة الكفاف وإمداد ضئيل من الماشية. وتكون السيطرة على الأمراض، ومكملات الأعلاف، وأماكن الإقامة لتلك الحيوانات محدودة للغاية. وغالبا ما تكون الماشية والدجاج والخنازير، التي يمكن أن تحمل الأمراض المتوطنة، على اتصال وثيق مع بعضها بعضا، ومع مجموعة متنوعة من الحيوانات غير الداجنة، ومع البشر أيضاً.

وليس فقط في المزارع: تعرض أسواق الحيوانات الحية، الشائعة في جميع أنحاء آسيا وأفريقيا، اكتظاظاً كبيراً وامتزاجاً حميماً بين أنواع حية متعددة، بما في ذلك البشر. ويلعب هذا الواقع أيضا دورا رئيسيا في كيفية ظهور مسببات الأمراض القاتلة وانتشارها بين الأنواع.

وثمة خطر آخر: صيد لحوم الطرائد وذبحها، وهي ممارسة تنتشر بشكل خاص في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وتنطوي هذه الأنشطة، بينما تهدد الأنواع الحيوانية وتغير النظم البيئية بشكل لا رجعة فيه، على الجمع بين الناس والحيوانات البرية معا. ويشكل صيد لحوم الطرائد طريقاً واضحاً وأساسياً لانتقال الأمراض حيوانية المنشأ إلى البشر.

وكذلك يفعل الطب الصيني التقليدي، الذي يهدف إلى توفير العلاجات لمجموعة من الأمراض، مثل التهاب المفاصل والصرع وضعف الانتصاب. وعلى الرغم من عدم وجود دليل علمي يدعم معظم الادعاءات بهذا الصدد، فإن آسيا مستهلك هائل لمنتجات الأدوية الصينية التقليدية. ويتم صيد النمور، والدببة، ووحيد القرن والبنغولين، وأنواع حيوانية أخرى ليتم استخدام أجزاء من أجسامها في هذه الأدوية المشكوك في نجاعتها. ويشكل هذا بدوره مساهماً رئيسياً في زيادة التفاعلات بين الحيوانات والإنسان. وبالإضافة إلى ذلك، من المرجح أن يرتفع الطلب على هذه الأدوية بينما يرتفع التسويق عبر الإنترنت، جنبا إلى جنب مع النمو الاقتصادي المتواصل في آسيا.

مسألة وقت

تستمر الفيروسات -الآلاف منها- في التطور. وهي مسألة وقت فقط قبل ظهور تفشٍ كبير آخر في هذه المنطقة من العالم. وقد قفزت جميع فيروسات كورونا التي تسببت في الأوبئة الأخيرة، بما في ذلك فيروس كورونا “كوفيد-19” من الخفافيش إلى حيوان آخر قبل أن تنتقل إلى البشر. ومن الصعب التنبؤ بدقة بسلسلة الأحداث التي تسبب جائحة، لكن هناك شيئاً واحداً مؤكداً: يمكن تخفيف هذه المخاطر من خلال وضع استراتيجيات لتقليل الآثار البشرية التي تسهم في خلق الاضطرابات البيئية.

كما أظهرت موجة التفشي الحالية لفيروس كورونا، يمكن أن ينتشر المرض المعدي الذي يبدأ في جزء معين من العالم ويصبح عالمياً في وقت قصير جداً من الناحية العملية. وهناك حاجة ملحة إلى وضع استراتيجيات بناءة للحفاظ على النظام البيئي، والتي تهدف إلى منع إزالة الغابات، وتقليل التفاعلات بين الحيوان والإنسان. وسيكون وضع نظام مراقبة عالمي شامل لرصد ظهور هذه الأمراض –غير الموجود الآن- أداة لا غنى عنها لمساعدتنا على مكافحة هذه الأوبئة القاتلة والمرعبة.

*أستاذ إكلينيكي ومدير مشارك في مختبر التشخيص الحيواني، جامعة ولاية بنسلفانيا.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why so many epidemics originate in Asia and Africa – and why we can expect more