‘);
}

خلق الإنسان

بيّن الله تعالى في القرآن الكريم المادّة التي خُلِق منها الإنسان، فوصفها أحياناً بالماء، ومرّةً بالتراب، ومرّةً أخرى بالطين، ووصف الطين في موضعٍ بأنّه لازبٌ، وفي موضعٍ آخر بأنّه صلصالٌ، وقد يعبّر عنها بالأرض، أو الماء الدافق، أو العلق، ومن الجدير بالذكر أنّه لا يوجد أيّ تعارضٍ فيما سبق؛ فالماء يعدّ الأصل الأول للإنسان، أمّا التراب فهو الأصل الثاني له، وباختلاط الماء مع التراب يتكوّن الطين، وإن ضُرِبا ببعضهما البعض أصبحا حمأً مسنوناً، وإن جفّا أصبحا صلصالاً؛ ولذلك كان الماء أصل الطهارة، وإن تعذّر وجود الماء شُرع التيمّم بالتراب، والتراب يعدّ الأصل الثاني للإنسان، وذلك ما أثبته العلم الحديث؛ حيث إنّ النطفة التي تنتج من الذكر والأنثى، ويتكوّن منها الجنين، تنتج من تغذية الإنسان التي يحصّلها الإنسان ممّا تنبت الأرض، إلّا أنّ بعض العلماء ذهبوا إلى القول بأنّ آدم -عليه السّلام- خُلِق من التراب والماء والطين، أمّا أبناؤه فقد خُلِقوا من نطفةٍ، واستندوا في ذلك إلى قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)،[١] ويبدأ خَلق الجنين بالنطفة التي تستقرّ في الرحم، ثمّ تتحوّل النطفة إلى علقةٍ بعد مرور أربعين يوماً، وبعد مرور أربعين يوماً أخرى؛ تتحول العلقة إلى مضغةٍ، وسمّيت بذلك؛ للشبه الشديد بينها وبين اللحم الممضوغ، ثمّ تبدأ مرحلة التكوين، وتظهر آثار العظام والعضلات.[٢]

الغاية من خلق الإنسان

لا يستطيع الإنسان أن يعلم الغاية من وجوده إلّا بتعرّفه على أمرين رئيسين؛ هما: معرفة الإنسان لحقيقته، ومعرفة الغاية من خلقه، وبذلك تتغيّر نظرة الإنسان للحياة، والمنهج الذي يسير عليه؛ فالإنسان مخلوقٌ مميّزٌ عن باقي مخلوقات الله تعالى، ودليل ذلك قول الله تعالى: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)،[٣] فالله تعالى خَلق الإنسان بيده، وأسجد الملائكة له، وبعث إليه الرسل مؤيدين بالكتب منه،[٤] ومن الجدير بالذكر أنّ الإنسان خُلِق للقيام بمهمة عبادة الله تعالى وحده، حيث قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)،[٥] وقال القرطبي تعقيباً على الآية السابقة: إنّ السعادة للجن والإنس لا تتحقّق إلّا بتوحيد الله سبحانه، وقال ابن كثير في ذلك أيضاً: (ومعنى الآية أنّه تعالى خلق العباد؛ ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتمّ الجزاء، ومن عصاه عذّبه أشدّ العذاب)، وبيّن شيخ الإسلام ابن تيمية أنّ العبادة اسمٌ جامعٌ وشاملٌ لكلّ ما يحبّه الله تعالى ويرضاه، سواءً كان متعلّقاً بالأقوال أو الأعمال الظاهرة والباطنة، ومن ذلك: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ، والصدق في الأقوال، والبرّ للوالدين، وأداء الأمانات إلى أهلها، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والدعاء، وذكر الله، وتلاوة القرآن الكريم، وحبّ الله ورسوله، والخشية والخوف من الله، والإنابة والرجوع إليه، والرضا بما قدّر وقضى، والتوكّل عليه، ورجاء نيل رحمته، وذلك ما أرسل لأجله الرسل عليهم السّلام، حيث قال الله تعالى على لسان نبيّه نوح عليه السلام: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)،[٦] ومثل ذلك ما كان من كلٍّ من هودٍ وصالح وشعيب وغيرهم من الرسل، ومن الجدير بالذكر أنّ تحقيق العبودية لله تعالى من أعظم مسؤوليات العبد؛ حيث إنّها ذات منزلةٍ عظيمةٍ وجليلةٍ ورفيعةٍ.[٧]