Table of Contents
لم يكن ريان ديسمبرينو، الشاب الذي لم يتجاوز التاسعة والعشرين من عمره، يتخيل أن آلام البطن المستمرة التي يعاني منها قد تخفي وراءها قاتلاً صامتاً. عندما زار الطبيب لأول مرة في فيلادلفيا، أظهر تنظير القولون وجود سلائل (زوائد لحمية)، لكن الطبيب طمأنه قائلاً إن «السرطان لا يسري في عائلتك»، طالباً منه العودة بعد ثلاث سنوات. لكن الألم لم ينتظر؛ فقد عاد بشراسة بعد عامين، ليجبر الأطباء على إجراء فحص جديد كشف عن ورم خبيث في القولون. يقول ريان، الذي خضع للجراحة والعلاج الكيميائي فوراً: «لو انتظرت موعد المتابعة بعد ثلاث سنوات، لما كنت هنا اليوم لأروي قصتي».

لغز الصعود المقلق للإصابات بين جيل الألفية
لطالما اعتبر الطب التقليدي السرطان مرضاً للشيخوخة، حيث تتركز 88% من الحالات في الولايات المتحدة بين من تجاوزوا الخمسين. لكن العقود الثلاثة الأخيرة حملت تحولاً ديموغرافياً مخيفاً؛ إذ تشهد معدلات «السرطان مبكر البدء» (الذي يُشخص قبل سن الخمسين) ارتفاعاً متسارعاً على مستوى العالم.
وتكشف البيانات الحديثة عن واقع جديد، حيث وجد بحث نشر في دورية (BMJ Oncology) أن معدلات الإصابة العالمية بهذا النوع من السرطانات قفزت بنسبة 79% بين عامي 1990 و2019. وفي دراسة أخرى نشرت في (Lancet Public Health)، رصد الباحثون ارتفاعاً مطرداً في 17 نوعاً من السرطان بين الأجيال الشابة، وبشكل خاص في سرطانات الأمعاء الدقيقة والبنكرياس. وترى هيونا سونغ، عالمة وبائيات السرطان، أن مواليد ما بعد الثمانينات يواجهون خطراً مضاعفاً أربع مرات للإصابة بسرطان المستقيم مقارنة بمواليد الخمسينات، محذرة من أن جيل الألفية وجيل «زد» قد يحملون معهم أعباء صحية تهدد بتبديد عقود من التقدم في مكافحة السرطان.

هل نحن أمام «تسمم» بيئي وغذائي؟
يقف العلماء اليوم أمام سؤال المليون دولار: لماذا يمرض الشباب الأصحاء؟ الفرضية الأبرز تشير إلى «عوامل التعرض» البيئية ونمط الحياة التي تراكمت منذ التسعينات. وبينما تتجه أصابع الاتهام غالباً نحو السمنة، يرى ألوك خورانا، طبيب الأورام في «كليفلاند كلينك»، أن الأمر أعقد من ذلك، مشيراً إلى «الحمية الغربية» الغنية بالأطعمة فائقة المعالجة والسكريات واللحوم الحمراء.
لكن الغذاء ليس المتهم الوحيد؛ فالباحثون يدرسون تأثير الملوثات الحديثة مثل «اللدائن الدقيقة» (Microplastics) والمواد الكيميائية الأبدية (PFAS). ويشير فرانك فريزيل، جراح القولون والمستقيم، إلى أن الإنتاج العالمي للبلاستيك تضاعف بشكل هائل، وتزامنت هذه الزيادة مع ارتفاع معدلات السرطان. ورغم أن الجزيئات البلاستيكية قد تكون خاملة كيميائياً، إلا أنها قد تعمل كـ «حصان طروادة»، ناقلةً البكتيريا الضارة أو الفيروسات إلى داخل الجسم، أو مسببة التهابات مزمنة تمهد الطريق للنشوء الورمي.

الميكروبيوم.. العدو في الداخل
لعل الخيط الأكثر إثارة للاهتمام في هذه القضية هو العلاقة بين صحة الأمعاء وتغير التوازن البكتيري (الميكروبيوم). الدراسات الحديثة بدأت تربط بين أنواع معينة من البكتيريا وتطور الأورام. في دراسة نشرت مؤخراً في دورية (Nature)، وجد الباحثون بصمات وراثية لسموم تفرزها بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli) في خلايا مرضى سرطان القولون الشباب، بنسبة تفوق بكثير تلك الموجودة لدى المرضى الأكبر سناً.
ويوضح لودميل ألكسندروف، عالم الأحياء الحاسوبية، أن التعرض لهذه السموم البكتيرية في مرحلة الطفولة قد يترك «سجلاً تاريخياً» من الطفرات في الحمض النووي، مما يسرع ساعة الصفر للإصابة بالسرطان بعقود. هذا يعني أن ما نأكله ونتعرض له في صغرنا قد يعيد تشكيل بيئة أمعائنا لتصبح حاضنة للأورام في شبابنا.
سرعة نمو الأورام وتحديات التشخيص
ما يزيد الطين بلة هو الفرضية التي يتبناها العالم ألبرتو بارديلي، والتي تقترح أن الأورام لدى الشباب قد تكون ذات طبيعة بيولوجية مختلفة وأكثر عدوانية. فبينما يستغرق تطور سرطان القولون التقليدي من 5 إلى 15 عاماً، تشير الدلائل الأولية إلى أن الأورام مبكرة البدء قد تتطور خلال عام أو عامين فقط. هذا النمو المتسارع يجعل فترات الفحص الروتينية المتباعدة غير فعالة لهذه الفئة العمرية.
وعلاوة على ذلك، يواجه الشباب معضلة «الاستخفاف الطبي». فغالباً ما يتم تشخيص أعراضهم خطأً على أنها بواسير أو مشاكل هضمية بسيطة نظراً لصغر سنهم. تشير إحصائيات من تحالف سرطان القولون والمستقيم إلى أن 54% من المرضى الشباب شُخصوا بشكل خاطئ في البداية، واضطر ثلثهم لزيارة ثلاثة أطباء أو أكثر قبل الحصول على التشخيص الصحيح.
في ظل غياب برامج فحص روتينية لمن هم دون سن الخامسة والأربعين في معظم الدول، يبقى الوعي بالأعراض هو السلاح الأقوى. وكما تقول روزاليند هولدن، التي حاربت للحصول على تشخيص لسرطان الرحم في سن 38: «إذا شعرت بأي قلق، أو لاحظت أي تغيير غير طبيعي، لا تتردد في الفحص». قد يكون الإصرار على استيضاح السبب هو الفارق بين الحياة والموت في معركة أصبح فيها الزمن عاملاً حاسماً.