مؤامرة القصر: ملكات نمل تجبر العاملات على اغتيال أمهاتهن

مؤامرة القصر: ملكات نمل تجبر العاملات على اغتيال أمهاتهن

في سيناريو يشبه المؤامرات الملكية، كشف علماء يابانيون عن نوع من النمل الطفيلي يستخدم سلاحاً كيميائياً فريداً. هذا السلاح لا يقتل الخصم مباشرة، بل يدفع العاملات للقيام بالمهمة القذرة وقتل ملكتهن الأم.

Share your love

اليابان

في ممالك الحشرات، يُضرب المثل عادةً بوفاء النمل لمليكته وتفاني العاملات في حمايتها حتى الرمق الأخير. لكن الطبيعة، بقسوتها المعهودة، تخفي سيناريوهات دموية قد تفوق خيال كتاب التراجيديا الإغريقية. تخيل أن يدخل غريب إلى القصر، وبمجرد همسة كيميائية، تتحول الحاشية المخلصة إلى قتلة يفتكون بوالدتهم الملكة بلا رحمة. هذا ليس مشهداً من رواية خيالية، بل هو واقع اكتشفه علماء الأحياء مؤخراً لدى أنواع محددة من النمل الطفيلي.

انقلاب كيميائي في المستعمرة

كشفت دراسة حديثة نُشرت في دورية Current Biology عن استراتيجية مرعبة تستخدمها ملكات النمل حديثة التزاوج من نوع Lasius orientalis وL. umbratus للاستيلاء على عروش مستعمرات أخرى. بدلاً من الدخول في صراع جسدي مباشر ومحفوف بالمخاطر مع الملكة الحاكمة، تلجأ الملكة الغازية إلى حيلة ماكرة: رش الملكة الأصلية بسائل كيميائي يغير ولاء العاملات فوراً.

بمجرد أن يلامس هذا السائل جسد الملكة الأم، تدخل العاملات في حالة من الهيجان الجنوني، موجهات أنيابهن وهجماتهن نحو والدتهن التي خدموها طوال حياتهن، في عملية “قتل للأم” (Matricide) نادرة الحدوث جداً في الطبيعة.

ملكة نمل متطفلة سوداء اللون تواجه ملكة نمل بنية محاطة بعاملاتها الصفراء
مشهد ما قبل الانقلاب: ملكة متطفلة من نوع Lasius orientalis (السوداء يساراً) تقترب من الملكة الأم L. flavus (البنية يميناً) بينما تحيط بها العاملات، قبل لحظات من إطلاق الرذاذ المحفز للهجوم.

السلاح السري: رذاذ الخيانة

راقب الفريق البحثي بقيادة كيزو تاكاسوكا (Keizo Takasuka)، عالم البيئة السلوكية بجامعة كيوشو اليابانية، هذه الدراما المصغرة داخل مختبراتهم. تتبع الملكة الغازية خطوات دقيقة ومحسوبة؛ ففي البداية، تقضي وقتاً بين العاملات لسرقة رائحة المستعمرة، مما يخدع النمل ويجعله يظن أنها فرد من العائلة. ثم تقترب من العرش وتوجه ضربتها.

يعتقد الباحثون أن الرذاذ المستخدم هو في الغالب “حمض الفورميك” (Formic acid)، وهي مادة كيميائية مهيجة يستخدمها النمل عادة للدفاع عن النفس. ولكن في هذه الحالة، يتم توظيفها كسلاح للتحريض. تختلف فاعلية الهجوم باختلاف الأنواع؛ فقد رصد العلماء أن ملكة من نوع L. umbratus احتاجت لرش ضحيتها مرتين فقط لتقوم العاملات بقتل أمهن في نصف يوم. أما ملكة L. orientalis، فقد كانت أكثر إصراراً، حيث رشت ضحيتها 16 مرة خلال 20 ساعة، مما دفع العاملات لمهاجمة ملكتهن الأصلية بلا هوادة حتى ماتت بعد أربعة أيام، بل وقمن بتقطيع أوصالها.

لماذا تقتل العاملات أمهن؟

يعد قتل الأم أمراً نادر الحدوث للغاية في المملكة الحيوانية، فالغريزة الطبيعية تدفع الأبناء للحفاظ على حياة الأم لضمان بقاء النوع. ويشير تاكاسوكا إلى أن هذه هي الحالة الأولى المعروفة علمياً التي يستفيد فيها طرف ثالث (الملكة الغازية) من عملية قتل الأم.

وترى كريستين جونسون (Christine Johnson)، عالمة البيئة السلوكية بالمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي، أن هذه الاستراتيجية قد تكون تطورت لتقليل المخاطر على الملكة الغازية. فبدلاً من المخاطرة بالإصابة أو الموت في نزال مباشر مع الملكة الحاكمة، تقوم الملكة الطفيلية بتجنيد جيش الضحية للقيام بالمهمة القذرة نيابة عنها.

مستقبل غامض للعرش الجديد

رغم نجاح الانقلاب والقضاء على الملكة القديمة، فإن ذلك لا يضمن دائماً استقرار الحكم للملكة الجديدة. تشير الدراسات إلى أنه حتى لو قبلت العاملات بوجود الملكة الدخيلة بعد قتل أمهن، فهذا لا يعني بالضرورة أنهن سيقمن برعاية بيضها وصغارها بنفس التفاني. تظل هذه الاكتشافات تذكيرًا مذهلاً بأن عالم الحشرات يحمل في طياته تعقيدات اجتماعية واستراتيجيات بقاء قد تفوق في دحائها ما نراه في عالم السياسة البشرية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!