ماكرون عندما يستعدي الجزائر وشعبها

 

وجيدة حافي

مرة أُخرى تتجرأ فرنسا على الجزائر، وتتطاول عليها من خلال رئيسها ماكرون الذي على ما يبدوا أن لهيب الإنتخابات الرئاسية قد أصابه لدرجة التهجم على كل من هب ودب دون إحترام للأعراف والعلاقات التي من المفروض أن يحسب الإليزي ألف حساب لها  قبل التفوه بالحماقات والترهات، فالجزائر يا ماكرون ليست مُستعمرتك القديمة، هي دولة قائمة لها حدُود وهيبة، والتدخل في شؤونها هكذا دون سبب لا يجُوز ويُعتبر تدخل فيما لا يعنيك، والمثل يقول من تدخل فيما لا يعنيه سمع ما لا يُرضيه، وأظنك سمعت ورأيت عواقب التصرفات الصبيانية الغير مدروسة، فمتى تكُف فافا ورؤساؤها عن إستفزازنا والتصرف بطيش معنا، طبعا الإجابة على هذا السؤال أتركة للسطور القادمة،لأنه قبل هذا يجب أن نتجول قليلا في ساحة العلاقات الفرنسية مع الدول الأخرى، فعلى ما يبدو أن علاقة فافا مع الأصدقاء والأعداء ليست على ما يُرام، توترها مع تُركيا راجع لرفضها وبعض الدول الأُوروبية إنضمام بلد إسلامي للإتحاد الأُوروبي، فهم يُريدون بقاء الدول المسيحية فقط، كذلك إعتراف البرلمان الفرنسي سنة 2011  بالإبادة الجماعية للأٍرمن على يد العثمانيين الأتراك خلال الحرب العالمية الأُولى وحرب الإستقلال التركية زاد الطين بلة، الصراع على ليبيا هو ما جعل الهوة تتسع بين الطرفين، فدُخول تُركيا على الخط ورغبتها في تقاسم ثروات هذا البلد المُنهك أغضب فرنسا وجعلها تتبادل التهم مع الطرف التُركي الذي بدوره لم يُعجبه التحالف الفرنسي مع حفتر وتكسير كل أنواع الصُلح لإنقاذ ما تبقى من ليبيا، فالصراع عليها لم يكن وليد اللحظة بل من عشر سنوات مضت، عند سقوط القذافي زار الرئيس السابق “نيكولا ساركوزي” ليبيا مع رئيس وزراء بريطانيا أنذاك “ديفيد كاميرون” وبعدها مُباشرة زار الرئيس التُركي “طيب أردوغان ” ليبيا، وهذا ما يُفسر خُبث نية كلا الطرفين في هذا البلد، تهميش قُبرص لتُركيا في التنقيب على الغاز في شرق البحر الأبيض المُتوسط وتفضيلها دُولا أُخرى بما فيها فرنسا هو الذي أُثار حفيظة الجانب التُركي الذي كذلك نقب في حُدود النُفوذ البحرية بين تُركيا وليبيا وهذا ما خلف توترات بين تُركيا وأُثينا وبعض الدُول وعلى رأسها فرنسا، ولأن كلا الدولتين مُهتمتين بالصُلح وتدارك ما فات لتجنب الأسوأ ، فتُركيا أنهكتها عُقُوبات الإتحاد الأُوروبي لشركاتها في هذه الأزمة الإقتصادية التي تمر بها، وفرنسا تعبت من تجاهل شُركائها في الإتحاد الأُوروبي وخاصة ألمانيا وإسبانيا، ورغم كل هذا نقول أن هذه الهُدنة التي يسعى إليها الرئيسان التُركي والفرنسي لن تستمرا طويلا ما دام فرنسا لن تقبل بتوسعات تُركيا وأطماعها التي دون شك لن تتوقف لا في ليبيا ولا سوريا ولا في أي مكان آخر.

إفريقيا كذلك غاضبة، فكثير من الدُول الإفريقية لم تُعجبها طريقة تعامل فرنسا معها، فمالي إتهمتها بالوُقُوف وراء تدريب الجماعات الإرٍهابية في البلاد والتخلي عنها في عز حاجتها إليها وهذا الذي دفعها لإختيار شُركاء آخرين كروسيا، هذا ما أغضب ماكرون الذي حذر من تبعات هذا الإنزلاق، واشنطن دخلت على الخط، بعد أن تم إلغاء أُستراليا صفقة شراء غواصات فرنسية وإستبدالها بأُخرى أمريكية عاملة بالدفع النووي،  ففرنسا إعتبرت هذا الفعل طعنة في الظهر، أما علاقتها بدول الإتحاد الأُوروبي فلا تُبشر بالخير وهي دائما على إختلاف مع دوله في كثير من القضايا الأُوروبية والخارجية, إذن علاقة فاترة لفرنسا مع كثيير من الشُركاء وسببها هو طمع ماكرون ورغبته في الإنفتاح الزائد، فحسب الفرنسيين ماكرون فشل في قيادة بلدهم الى بر الأمان، وما هذه الإرتجالية المُبالغ فيها إلا دليل على الوُصول إلى نهاية الطريق.

 وبالعودة إلى تصريحاته حول الجزائر أدعوه مرة أُخرى لقراءة التاريخ والتعمق فيه، فموقعنا الإستراتيجي أنذاك المُطل على البحر الأبيض المُتوسط هو الذي جعل كثيرا من الدُول تطمع فينا وتحتلنا ومن بينها فرنسا اللعينة التي كانت تبعث بجواسيسها منذ مطلع القرن 17، فقد أرسلت قبل إحتلالها لنا ب ثلاثين سنة النقيب بُوتان كجاسوس من طرف نابليون الأول، ومن هنا بدأت حكايتنا معكم حتى أخرجناكم وطردناكم شر طردة بفضل شباب وشابات الوطن في تلك الفترة، واليوم تأتي وتقول أننا لم نكن موجودين قبل إحتلالكم البشع لنا، فالمفروض أنك رئيس دولة وكلامك لابد أن يكون موزون ومُقفى خصُوصا عند الحديث عن دُول أُخرى،أما قضية الإحتلال العُثماني لنا ولماذا لم نتكلم عنه كما نتكلم عن جرائمكم، أعود وأُذكرك أن الأتراك لما دخلوا الجزائر دخلوها بنية الحماية والسند والوُقٌوف إلى جانب المُجاهدين الجزائريين بقيادة الأخوين عروج وخير الدين بربروس لتحرير بجاية من الإحتلال الصليبي سنة 1505، وقد أمدهم السُلطان العُثماني  ب2000 رجل و15 سفينة تحت قيادة الأخوين، وقد أُختيرت الجزائر العاصمة نظرا لموقعها الاستراتيجي عاصمة مركزية رسمية للنظام التُركي، ولكن أوائل الأتراك الذين دخلوا لفض الغُبار عن إخوانهم المُسلمين إنقلبوا على أعقابهم وأًصبحوا مُستغلين ومُستعمرين لهذا البلد الذي أنهكته الحُروب الداخلية والخارجية، ففرضوا الضرائب وأخذوا الأراضي بغير حق ما أثار غضب الجزائريين وأدى إلى نُشوب صراعات وخلافات، والحديث يطول حول هذا الموضوع، وما عليك فقط إلا إقتناء كتاب تاريخي يُؤرخ لهذه المرحلة لتعرف أكثر.

حديثك عن الجزائر واللاديمُقراطية في الحُكم فيها وتدخل العسكر في كل شيء، أظن أنه ليس من شأنك، لأنك قلت الجزائر ولم تقل فرنسا، ثانيا كل العالم يحكمه عسكر بطريقة أو بأُخرى، وهذا ليس مُقتصرا على الجزائر أو الدول العربية،  ثالثا هل توجد ديمُوقراطية في العالم لنتحدث عنها، فأكبر الدُول تتعامل بإستبداديىة وطُغيان مع شعبها، ومنهم أنت لما إستعملت العُنف ضد السُترات الزرقاء لما خرجوا وقالوا لا لسياستك الداخلية الرعناء، أمريكا في عهد ترامب لم تسلم كذلك من البطش والإستبداد، فعن أي ديمُقراطية تتحدث؟؟؟؟؟؟؟، ولأننا قُلناها ونقولها وسنقُولها لك ولغيرك ممن سيلتحقون بقصر الإليزي أو غيره، الجزائر حُرة مُستقلة لها سيادتها ،قوانينها ومبادئها، ولا أحد وصي عليها، فنحن ليس قُصر، إيه نعم عندنا مشاكل داخلية كغيرنا من دُول العالم من بطالة وغلاء معيشة، أما الحراك  فكل الدُول شهدت خُرُوج لمُواطنيها للتنديد بالظُلم والعُنف، والمُطالبة بتحسين المعيشة، وبلدك أولهم مع مجموعة من الدُول الكُبرى، فالربيع العربي الذي مسنا بدأ يزحف رويدا إليكم، وهذا ما أخلط حساباتكم وجعل كثيرا من رؤساء الدول الكُبرى ينتفضون ويُطلقون سهام الألفاظ الجارحة.

 وبالعودة إلى السُؤال الذي طرحته في الأول متى تكُف فافا عن إستفزازنا أقول أنه لما تجد الرد القوي والفعل لا الكلام من الجزائر، لما نعتمد اللغة الإنجليزية في مدارسنا ونتخلى عن لُغتها التي تتباهى بها فقط أمام مُستعمراتها، لما نتبنى قانون تجريم الإستعمار بأقصى سُرعة، لما نٌقلص من التمثيل الدبلوماسي فيها ونُخفض عدد شركاتها العاملة عندنا، تطوير إقتصادنا وإحتضان أبنائنا بتوفير العمل والراتب الذي يحفظ كرامتهم، فنحن والحمد لله واجهة إقتصادية لكثيير من الدُول، ولن نفقر إذا تخلينا عن فرنسا وإتجهنا الى دول أُخرى، وقتها صدقوني ماكرون وغيره لن يندم فقط على تصريحاته، بل سيُعيد ترتيب حساباته ويحسب لنا ألف حساب،  فللأسف ما فعلناه غير كافي، ففرنسا بإنسحابها من مالي لن تحتاج للمجال الجوي الجزائري العسكري،  وسحب السفير والتوعد والتهديد لن يُجدي نفعا أمام من يُريد إهانتنا، ففافا لن ترضى عنا إلا إذا إنغلقنا على أنفسنا ورفضنا كل التوجهات الإقتصادية الجديدة وأٌقصد الصين وتُركيا، رُوسيا وغيرهم، وهنا نعود لمقولة الرئيس السابق “هواري بُومدين ” الذي قال : إن رأيتم فرنسا غير راضية عنا فاعلموا أن بوصلة الجزائر بخير وبإذن الله بلدي بعافية وأمان، أما فيما يخص الرأي الذين يعتبر أن ماكرون كان مُحقا، فهذا فقط لتغيير مسار الحديث وجره لأمور لا يجُوز التطرق إليها الآن، أقول أنه لكل حدث حديث ولكل مقام مقال، نحن نتحدث عن أخطاء ماكرون الفاضحة وليس عن الأمازيغية والحراك ووووو، فكل هذه المواضيع وغيرها تبقى شأن داخلي للجزائر كما هو ملف الحركى الذي لم ولن تتدخل فيه الجزائر ، وأختم للعلامة “عبد الحميد بن باديس” رحمه الله

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

كاتبة من الجزائر

Source: Raialyoum.com

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *