
مجرة بلا نجوم: هل اكتشفنا “الشبح الكوني” في جوارنا؟
في اكتشاف قد يغير فهمنا لتكون الكون، رصد علماء الفلك جسماً غامضاً قد يكون "مجرة مظلمة" تخلو من النجوم تماماً. الاكتشاف الذي تم بواسطة تلسكوب صيني عملاق يثير جدلاً علمياً حول طبيعته الحقيقية.
Share your love
تخيل أنك تنظر إلى السماء ليلًا، فترى النجوم تتلألأ في تشكيلات مألوفة، لكنك تعلم في قرارة نفسك أن ما تراه ليس سوى غيض من فيض. فالكون يخفي في طياته كيانات شبحية لا تُصدر ضوءًا، ولا تعكسه، وتمر مرور الكرام أمام عدسات تلسكوباتنا التقليدية. هذه ليست مقدمة لرواية خيال علمي، بل هي جوهر لغز “المجرات المظلمة” التي طالما طاردها الفلكيون دون جدوى. واليوم، يبدو أننا قد نكون أقرب من أي وقت مضى للإمساك بأحد هذه الأشباح الكونية في “الفناء الخلفي” لمجرتنا درب التبانة، بفضل عيون راديوية عملاقة في الصين.
عين الصين العملاقة ترصد “الشبح”
في اكتشاف مثير قد يقلب موازين فهمنا لتطور الكون، رصد الباحثون باستخدام “تلسكوب الخمسمائة متر الكروي ذي الفتحة” (FAST) في جنوب الصين، سحابة غازية غامضة قد تكون المرشح الأقوى حتى الآن لتكون “مجرة مظلمة”. هذه الكيانات النظرية تتكون بشكل أساسي من المادة المظلمة (Dark Matter) وغاز الهيدروجين، وتخلو تمامًا من النجوم التي تمنح المجرات العادية بريقها.

نُشرت نتائج الرصد في الثامن عشر من أبريل في دورية Science Advances، حيث أوضح الفريق البحثي أن الصور عالية الدقة كشفت عن كتلة غازية مضغوطة داخل سحابة أكبر كانت قد رُصدت لأول مرة في ستينيات القرن الماضي. ويقول جين-لونغ شو، عالم الفلك في الأكاديمية الصينية للعلوم في بكين: “هذا هو أول اكتشاف لمجرة مظلمة محتملة في الكون القريب”.
تشريح الكيان الغامض
ما الذي يجعل العلماء يعتقدون أن هذه الكتلة ليست مجرد سحابة غاز عادية؟ الإجابة تكمن في الحركة. من خلال تحليل بيانات التلسكوب الراديوي، تمكن الباحثون من تحديد سرعة واتجاه غاز الهيدروجين داخل الكتلة. البيانات أشارت إلى وجود حركة دورانية منتظمة تشبه تمامًا حركة الأقراص المجرية (Disk Galaxy)، وليست حركة عشوائية لكتلة غازية سائبة.
قدّر الفريق بعد هذه الكتلة بحوالي 900,000 سنة ضوئية عن الأرض. وعند دمج هذه البيانات الراديوية مع عمليات مسح بصري من تلسكوبات أخرى، لم يجد العلماء أي أثر للنجوم في تلك المنطقة، مما يعزز فرضية أنها “مجرة مظلمة” تسبح في الفضاء بصمت، مكونة من الهيدروجين والمادة المظلمة التي تمسك بالمجرة بجاذبيتها.
ويعلق مينغ تشو، المؤلف المشارك في الدراسة وعالم الفلك بالأكاديمية الصينية للعلوم، قائلًا: “الجزء الأكثر إثارة هو اكتشاف بنية القرص الدوار”. هذه البنية هي بصمة مميزة للمجرات، وتشير إلى أننا لا نتعامل مع مجرد ركام فضائي.
شكوك مشروعة: مجرة نائية أم سحابة عابرة؟
على الرغم من حماس فريق البحث، إلا أن المجتمع الفلكي لا يزال يلتزم الحذر، وهو حذر مبرر بتاريخ طويل من خيبات الأمل في هذا المجال. منذ مطلع الألفية، ظهرت عدة مرشحات لتكون مجرات مظلمة حول درب التبانة، لكن سرعان ما كشفت دراسات أعمق أنها إما مجرات قزمة تحتوي على نجوم باهتة جدًا لم تُرصد في البداية، أو مجرد سحب غازية عادية.
توبياس ويستماير، عالم الفلك في جامعة غرب أستراليا، يقف في صف المتشككين. يرى ويستماير أن تصنيف هذه الكتلة كمجرة مظلمة هو أمر “محتمل”، لكنه يجد الأدلة غير كافية للحسم. مبعث قلقه الرئيسي هو قياس المسافة؛ فإذا كان تقدير المسافة خاطئًا، فإن التفسير بأكمله ينهار.
يقول ويستماير بلهجة نقدية: “أنا متشكك جدًا بشأن الادعاءات الواردة في الورقة البحثية لعدة أسباب؛ لا يوجد دليل قاطع”. وجهة نظره تعتمد على احتمال أن يكون هذا الجسم مجرد سحابة غازية عادية تقع على مسافة أقرب بكثير، ربما على حافة مجرتنا درب التبانة، وتتحرك باتجاهنا، مما يعطي انطباعًا خادعًا عن طبيعتها.
لماذا نطارد الأشباح؟
لماذا يهتم العلماء أصلًا بإيجاد هذه المجرات الخفية؟ السبب يتجاوز مجرد الفضول؛ فالمجرات المظلمة – إن وجدت – تمثل “الحلقات المفقودة” في فهمنا لتاريخ الكون. يعتقد العديد من الفلكيين أن هذه المجرات هي اللبنات الأساسية للمجرات الكبيرة التي نراها اليوم. النظريات تشير إلى أن المجرات المظلمة قد تندمج مع مجرات تحتوي على نجوم، جالبة معها كميات هائلة من الغاز الذي يغذي ولادة نجوم جديدة.
ويرى جين-لونغ شو أن “المجرات المظلمة تمثل الحالة الأكثر بدائية لتكون المجرات”. دراسة هذه الكيانات قد تساعدنا في تحسين المحاكاة الحاسوبية لكيفية تشكل المجرات وتطورها، وربما تمنحنا مفاتيح جديدة لفهم طبيعة المادة المظلمة نفسها التي تشكل غالبية كتلة الكون.
في النهاية، يتفق الجميع – بما في ذلك الباحثون المتشككون – على أن الخطوة التالية تتطلب قياسات أكثر دقة للمسافة وبيانات راديوية أعلى جودة لتأكيد ما إذا كان هذا “الشبح” مجرة حقيقية ولدت في فجر الكون، أم مجرد سحابة غازية عابرة تداعب خيالنا العلمي.



