Table of Contents
تخيل مغناطيساً صغيراً يطفو في سكون تام، معلقاً في الفراغ فوق مادة فائقة التوصيل، يبدو وكأنه يتحدى الجاذبية. هذا المشهد ليس مجرد خدعة بصرية أو عرض سحري، بل هو ساحة معركة جديدة يحاول فيها الفيزيائيون اصطياد أكثر مكونات الكون غموضاً: المادة المظلمة. في محاولة علمية فريدة من نوعها، قرر باحثون تحويل أداة مصممة أصلاً لقياس الجاذبية الدقيقة إلى “مصيدة” للكشف عن الجسيمات الشبحية التي يعتقد أنها تملأ الفضاء من حولنا.

رقصة خفية في عالم الكم
لطالما حيرت المادة المظلمة العلماء؛ فهي المكون الخفي الذي يفسر تماسك المجرات وسرعة دوران النجوم، لكنها ترفض الكشف عن نفسها عبر التلسكوبات التقليدية. الفرضية الجديدة التي انطلق منها الباحثون تعتمد على فكرة أن المادة المظلمة قد لا تكون مجرد جسيمات ثقيلة كما كان معتقداً، بل قد تتكون من جسيمات “فائقة الخفة” (Ultralight particles) تتصرف مثل الأمواج المتموجة عبر الكون.
إذا صحت هذه الفرضية، فإن هذه الأمواج غير المرئية يجب أن تُحدث تأثيراً فيزيائياً دقيقاً للغاية: هزة خفيفة أو “دفع” ميكانيكي للمغناطيس العائم. ولرصد هذه الحركة متناهية الصغر، لجأ الفريق العلمي إلى استخدام جهاز استشعار كمومي فائق الدقة يُعرف باسم “سكويد” (SQUID)، وهو جهاز لقياس التداخل الكمومي قادر على رصد أضعف التغيرات في الحقول المغناطيسية.
من احتجاجات المناخ إلى مختبرات الفيزياء
قصة هذه التجربة لا تخلو من الطرافة والمصادفة. فقد ولدت الفكرة خلال مظاهرة احتجاجية حول التغير المناخي، حيث التقى عالم فيزياء الجسيمات الفلكية كريستوفر تونيل (Christopher Tunnell) من جامعة رايس الأمريكية، بالفيزيائي تيرك أوستركامب (Tjerk Oosterkamp) من جامعة لايدن الهولندية. وللتغلب على البرد القارس أثناء الاحتجاج، قام العالمان بأداء رقصة “البولونيز” (Polonaise) التقليدية البولندية، وهو الاسم الذي أُطلق لاحقاً على مشروعهم العلمي الطموح تيمناً بتلك اللحظة.

إعادة تحليل البيانات: هل اهتز المغناطيس؟
أدرك الفريق أن تجربة سابقة، كانت مخصصة لقياسات الجاذبية باستخدام مغناطيس كتلته أقل من مليغرام واحد معلق داخل حاوية من الرصاص فائق التوصيل، يمكن استغلالها لهذا الغرض الجديد. قام كريستوفر تونيل وزملاؤه بإعادة تحليل بيانات تلك التجربة بحثاً عن أي أثر لتلك “الرجفة” التي قد تسببها أمواج المادة المظلمة.
وفقاً للنتائج التي ستنشر قريباً في دورية Physical Review Letters، لم تظهر البيانات أي دليل قاطع على وجود هذا التأثير في التجربة الحالية. ومع ذلك، فإن عدم العثور على المادة المظلمة هذه المرة لا يعني فشل الطريقة. فقد أثبتت التجربة أن دمج التقنيات الكمومية مع كواشف فيزياء الجسيمات هو مسار واعد للغاية وقابل للتطوير.
مشروع “بولونيز”: الخطوة القادمة
يعترف الباحثون بأن تجربتهم الأولية لم تكن الأكثر حساسية مقارنة بغيرها، لكنها تميزت بأنها لم تكن مصممة خصيصاً للمادة المظلمة في البداية. الجمال يكمن في البساطة؛ فمع بعض التعديلات الطفيفة، مثل استبدال المغناطيس الحالي بآخر أثقل وزناً (بكتلة تصل إلى بضع مئات من المليغرامات)، يتوقع العلماء أن تتفوق تقنيتهم على الطرق التقليدية الأخرى.
مشروع “POLONAISE” القادم يعد بنقلة نوعية في حساسية الرصد. فبينما يستمر البحث عن شبح الكون، تثبت الفيزياء الحديثة أن الحلول الأكثر تعقيداً قد تأتي أحياناً من أفكار ولدت في ظروف غير متوقعة، ومن أدوات تطفو بهدوء في انتظار الموجة الصحيحة.