Table of Contents
للوهلة الأولى، قد يبدو أنه لا يوجد شيء مشترك يجمع بين حبة البطاطس النشوية التي نتناولها مقلية أو مهروسة، وبين ثمرة الطماطم الحمراء الغنية بالعصارة. لطالما اعتقد العلماء أن هذين النوعين مجرد “أبناء عمومة” متباعدين في شجرة العائلة النباتية، تطورا بشكل منفصل عن سلف مشترك. لكن الطبيعة كانت تخفي مفاجأة وراثية مذهلة قلبت هذه القناعات رأساً على عقب؛ فالبطاطس التي نعرفها اليوم ليست مجرد قريب للطماطم، بل هي في الواقع “ابنة” نتجت عن تزاوج تاريخي بين سلالة طماطم قديمة ونوع نباتي آخر، في حادثة تهجين فريدة وقعت قبل ملايين السنين وغيرت تاريخ الغذاء البشري إلى الأبد.
سر الـ 9 ملايين سنة في جبال الأنديز
في أعالي جبال الأنديز التي كانت في طور التكوين قبل نحو 9 ملايين سنة، حدث لقاء وراثي نادر. كشفت دراسة حديثة نُشرت في دورية Cell أن البطاطس نشأت نتيجة تهجين طبيعي بين نبات طماطم قديم، ونوع بري شبيه بالبطاطس لكنه يفتقر تماماً للقدرة على إنتاج الدرنات (تلك الكتل النشوية التي نأكلها)، ويُعرف علمياً باسم Solanum etuberosum.
هذا التزاوج الجيني القديم هو ما منح البطاطس ميزتها الأهم: الدرنات. وبحسب الباحثين، فإن هذه الصفة الوراثية انتقلت عبر سلالة البطاطس بأكملها، لتشمل اليوم أكثر من 180 نوعاً برياً وآلاف الأصناف المزروعة التي يعتمد عليها الملايين حول العالم كغذاء أساسي.
فك الشفرة الجينية: كيف تصنع البطاطس درناتها؟
لحل هذا اللغز التطوري، قام الفريق البحثي بتحليل الجينوم لعشرات من أصناف البطاطس المزروعة وأقاربها البرية. كانت النتائج حاسمة: تمتلك كل أنواع البطاطس تركيبة وراثية مختلطة بدقة، حيث يأتي نصف معلوماتها الجينية تقريباً من سلالة الطماطم، والنصف الآخر من سلالة البطاطس عديمة الدرنات.
“عند تكوين هذا النسل الهجين، اجتمعت عائلات جينية مختلفة وتفاعلت معاً لتمكين النبات من تكوين الدرنات لأول مرة.”
وتشرح ساندرا ناب، عالمة النبات في متحف التاريخ الطبيعي في لندن والمشاركة في الدراسة، أن هذا التوقيع الجيني الثابت يشير إلى أن البطاطس نشأت من حدث تهجين فردي واحد بين هاتين المجموعتين.
وقد حدد العلماء جينين رئيسيين لعبا دور “مفاتيح التشغيل” لهذه العملية:
- جين SP6A: جاء من طرف الطماطم، ويعمل كمفتاح رئيسي لبدء عملية تكوين الدرنة.
- جين IT1: ورثته البطاطس من السلالة البرية (S. etuberosum)، وهو ضروري لنمو السيقان الأرضية التي تنتفخ لتشكل البطاطس.
أكدت التجارب المعملية أن غياب الجين الأول يمنع تكون الدرنات تماماً، بينما يؤدي غياب الثاني إلى إنتاج درنات صغيرة جداً لا قيمة لها. وتقول سالومي برات، عالمة بيولوجيا النبات في مركز البحوث في الجينوم الزراعي في برشلونة: “القصة أكثر تعقيداً من مجرد اجتماع جينين، لكن هذا التفاعل كان حاسماً”.
استراتيجية البقاء: الأفضل من العالمين
غالباً ما يؤدي التهجين بين الأنواع المختلفة إلى ذرية عقيمة (غير قادرة على التكاثر جنسياً وإنتاج البذور). لكن البطاطس امتلكت حيلة ذكية للبقاء؛ فالدرنات التي طورتها ليست مجرد مخازن للغذاء والماء، بل هي وسيلة للتكاثر اللاجنسي. يمكن للدرنات المدفونة أن تنبت نباتات جديدة متطابقة جينياً دون الحاجة إلى تلقيح، مما منح البطاطس الوقت الكافي عبر ملايين السنين لإعادة تطوير قدرتها على التكاثر الجنسي لاحقاً.
هذا المزيج الوراثي منح البطاطس مرونة بيئية هائلة. فبينما تفضل الطماطم الظروف الدافئة والجافة، وتزدهر سلالة S. etuberosum في البيئات الباردة والرطبة، ورثت البطاطس “أفضل ما في العالمين”، مما سمح لها بالازدهار في المناطق الباردة والجافة في مرتفعات الأنديز القاسية.
من البرية إلى المائدة.. ثم إلى المستقبل
رغم وجود 180 نوعاً برياً من البطاطس، فإن معظمها غير صالح للأكل بسبب مرارته أو سميته. لكن قبل حوالي 20,000 عام، اكتشف السكان الأصليون في الأنديز نوعاً برياً لذيذاً، وطوروا منه آلاف الأصناف. لاحقاً، نقل المستكشفون الإسبان عينات محدودة إلى أوروبا، وهي الأسلاف التي انحدرت منها البطاطس التي نأكلها اليوم.
يشير العلماء إلى أن التركيز البشري الحديث على صفات مثل غزارة الإنتاج أدى إلى تضييق التنوع الوراثي للبطاطس المزروعة، مما جعلها أقل قدرة على مقاومة الأمراض وتغير المناخ. وخلصت ساندرا ناب إلى أن فهمنا الجديد للأصول الجينية المزدوجة (طماطم + بطاطس برية) يفتح أبواباً واسعة لتحسين المحصول. يمكن للعلماء الآن العودة إلى الأقارب البرية للبحث عن سمات مفيدة مفقودة، وإعادة دمجها لإنتاج أصناف بطاطس أكثر صلابة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل الغذائية.