مكانة العلماء.. بين الإذعان للمؤسسة والسلطان والدفاع عن مصالح الأمة والقرآن

مكانة العلماء.. بين الإذعان للمؤسسة والسلطان والدفاع عن مصالح الأمة والقرآن

إبراهيم الطالب-هوية بريس

عندما‭ ‬يَتَّحد‭ ‬السلطانُ‭ ‬مع‭ ‬القرآن؛‭ ‬يكون‭ ‬المسلمون‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬القوة‭ ‬والعطاء‭ ‬والمنعة‭ ‬والنماء؛‭ ‬فتنتشر‭ ‬عدالة‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬وينعم‭ ‬الإنسان‭ ‬والحيوان‭ ‬ويرتاح‭ ‬من‭ ‬الظلم‭ ‬الحرث‭ ‬والنسل؛‭ ‬ويتطوران‭ -‬أي‭ ‬الحرث‭ ‬والنسل‭- ‬ليقود‭ ‬المسلمون‭ ‬الأمم‭ ‬نحو‭ ‬الحضارة‭ ‬الحقة‭. ‬

الحضارة‭ ‬الحقة‭ ‬وليس‭ ‬حضارة‭ ‬البهيمية‭ ‬التي‭ ‬نعيشها‭ ‬اليوم؛‭ ‬حيث‭ ‬يستعبد‭ ‬الإنسان‭ ‬أخاه‭ ‬الإنسان‭ ‬استعبادا‭ ‬حقيقيا؛‭ ‬استبدلت‭ ‬فيه‭ ‬سلاسلُ‭ ‬الذل‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬العبيد‭ ‬يُطَوَّقون‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬قرون‭ ‬الغرب‭ ‬الوسطى،‭ -‬قبل‭ ‬ما‭ ‬سمي‭ ‬زور‭ ‬بثورة‭ ‬الحرية‭ ‬والإخاء‭ ‬والمساواة‭ ‬الغربية‭-‬،‭ ‬بربطات‭ ‬العنق‭ ‬والأحذية‭ ‬الملمعة؛‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬بقي‭ ‬الاستغلال‭ ‬والذل‭ ‬والسخرة‭ ‬هي‭ ‬هي‭. ‬

حضارة‭ ‬الإسلام‭ ‬هي‭ ‬حضارة‭ ‬السمو‭ ‬التي‭ ‬يعيش‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬منتهى‭ ‬الحرية‭ ‬والعدالة‭ ‬مع‭ ‬قمة‭ ‬التوازن‭ ‬النفسي،‭ ‬عندما‭ ‬يحقق‭ ‬معنى‭ ‬الاستخلاف‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الحرية‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬العبودية‭ ‬لله‭ ‬الذي‭ ‬له‭ ‬الخلق‭ ‬والأمر؛‭ ‬فيخرج‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬عبادة‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬عبادة‭ ‬رب‭ ‬الإنسان،‭ ‬ومن‭ ‬جور‭ ‬الأديان‭ ‬البشرية‭ ‬المختلَقة‭ ‬والمحرفة‭ ‬إلى‭ ‬عدل‭ ‬الإسلام‭ ‬وشريعته‭ ‬السمحة‭. ‬

وحتى‭ ‬يحفظ‭ ‬الإسلامُ‭ ‬أساس‭ ‬الحضارة‭ ‬بث‭ ‬كل‭ ‬مقوماتها‭ ‬ومرتكزاتها‭ ‬في‭ ‬مبادئه‭ ‬وجعل‭ ‬العلماء‭ ‬حراس‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬والمرتكزات‭. ‬

وحيث‭ ‬لا‭ ‬يَثْبت‭ ‬مبدأ‭ ‬ولا‭ ‬مرتكز‭ ‬مع‭ ‬الطغيان‭ ‬البشري‭ ‬إلا‭ ‬بقوة‭ ‬تحمي‭ ‬المبدأ‭ ‬من‭ ‬الانتهاك؛‭ ‬وسلطانٍ‭ ‬يمنع‭ ‬المرتكز‭ ‬من‭ ‬الإضمحلال‭ ‬والضياع،‭ ‬جعل‭ ‬الله‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬وهذا‭ ‬السلطان‭ ‬بيد‭ ‬القائد‭ ‬السياسي‭. ‬

‭ ‬فإذا‭ ‬ضعف‭ ‬العلماء‭ ‬والسلاطين؛‭ ‬انفصل‭ ‬العلم‭ ‬عن‭ ‬السلطان‭ ‬والقوة‭ ‬يُصبح‭ ‬المبدأ‭ ‬والمرتكز‭ ‬متجاوَزَين‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬الشعب،‭ ‬وذلك‭ ‬بفعل‭ ‬الأهواء‭ ‬والشهوات‭ ‬الجماعية؛‭ ‬التي‭ ‬تتمظهر‭ ‬عندما‭ ‬يضعف‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬صناعات‭ ‬للذة‭ ‬وقطاعات‭ ‬لاستعباد‭ ‬الناس؛‭ ‬وتتضافر‭ ‬لتُشكل‭ ‬جماعات‭ ‬ضاغطة‭ ‬على‭ ‬مراكز‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬الدولة‭. ‬

ولهذا‭ ‬نبه‭ ‬الله‭ ‬المسلمين‭ ‬من‭ ‬جماعات‭ ‬الضغط‭ ‬التي‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬أرباب‭ ‬الشهوات‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬سبحانه‭ :(‬وَاللَّهُ‭ ‬يُرِيدُ‭ ‬أَنْ‭ ‬يَتُوبَ‭ ‬عَلَيْكُمْ‭ ‬وَيُرِيدُ‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬يَتَّبِعُونَ‭ ‬الشَّهَوَاتِ‭ ‬أَنْ‭ ‬تَمِيلُوا‭ ‬مَيْلا‭ ‬عَظِيمًا‭). ‬النساء‭ ‬27‭. ‬

فالشهوات‭ ‬هنا‭ ‬صارت‭ ‬تفرض‭ ‬تشريعات‭ ‬تضاهي‭ ‬ما‭ ‬شرعه‭ ‬الله؛‭ ‬وتزاحم‭ ‬أحكام‭ ‬الشريعة‭ ‬الربانية‭ ‬التي‭ ‬فصلها‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬مصادر‭ ‬الإسلام‭ ‬وأمر‭ ‬باتباعها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬كل‭ ‬المسلمين‭ ‬حكومات‭ ‬وشعوبا‭. ‬

والميل‭ ‬المذكور‭ ‬في‭ ‬الآية‭ ‬هو‭ ‬الميل‭ ‬عن‭ ‬الحق،‭ ‬الذي‭ ‬شرعه‭ ‬الله‭ ‬إلى‭ ‬الباطل‭ ‬الذي‭ ‬تمليه‭ ‬الشهوات‭ ‬عندما‭ ‬تتسلط‭ ‬على‭ ‬النفوس؛‭ ‬فتجعلها‭ ‬تُشرِّع‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يأذن‭ ‬به‭ ‬الله؛‭ ‬فيَعُم‭ ‬الفساد‭ ‬ويفشو‭. ‬

وعندها‭ ‬يصبح‭ ‬الميل‭ ‬العظيم‭ ‬عن‭ ‬العدل،‭ -‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬أشمل‭ ‬للكائنات‭ ‬الحية‭ ‬والجامدة‭ ‬إلا‭ ‬باتباع‭ ‬أمر‭ ‬الله‭-‬،‭ ‬إلى‭ ‬الظلم‭ ‬الذي‭ ‬تتجاوز‭ ‬شرورُه‭ ‬ومفاسدُه‭ ‬البشرَ‭ ‬لتشمل‭ ‬تضاريسَ‭ ‬البَرِّ‭ ‬وظلماتِ‭ ‬البحر،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬بيانه‭ ‬سبحانه‭ ‬عند‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: (‬ظَهَرَ‭ ‬الْفَسَادُ‭ ‬فِي‭ ‬الْبَرِّ‭ ‬وَالْبَحْرِ‭ ‬بِمَا‭ ‬كَسَبَتْ‭ ‬أَيْدِي‭ ‬النَّاسِ‭ ‬لِيُذِيقَهُمْ‭ ‬بَعْضَ‭ ‬الَّذِي‭ ‬عَمِلُوا‭ ‬لَعَلَّهُمْ‭ ‬يَرْجِعُونَ‭) ‬الروم‭ ‬41‭. ‬

فما‭ ‬نذوقه‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬ذُل‭ ‬وهوان،‭ ‬وما‭ ‬نعيشه‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬وخور‭ ‬وتخلف؛‭ ‬منشؤه‭ ‬انفصال‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والدولة،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬نتيجتها‭ ‬اضطراب‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬العلماء‭ ‬والسلاطين؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يُحدِْث‭ ‬بدوره‭ ‬اضطرابات‭ ‬خطيرة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬المستويات،‭ ‬ولعل‭ ‬أعظم‭ ‬تجليات‭ ‬هذه‭ ‬الاضطرابات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬اليوم؛‭ ‬هذا‭ ‬القتلُ‭ ‬المستشري‭ ‬في‭ ‬المسلمين‭ ‬وهذا‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬شعوبهم‭ ‬وهذا‭ ‬الدمار‭ ‬في‭ ‬بلدانهم؛‭  ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬الدول‭ ‬تعتبر‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬أبنائها‭ ‬إرهابيين؛‭ ‬تحاربهم‭ ‬ويحاربونها‭. ‬

فعندما‭ ‬تضطرب‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬العلماء‭ ‬والسياسيين‭ ‬تنتقل‭ ‬الحروب‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬إلى‭ ‬الداخل‭ ‬فيصير‭ ‬القاتل‭ ‬والمقتول‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬فقط؛‭ ‬وهذا‭ ‬واضح‭ ‬بيِّنٌ‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬خاصة‭ ‬والإسلامي‭ ‬عموما،‭ ‬ولا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تمثيل‭ ‬أو‭ ‬تدليل‭. ‬

إن‭ ‬ما‭ ‬نعيشه‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬نتيجة‭ ‬استعمال‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬ولكنه‭ ‬نتاجٌ‭ ‬لِفساد‭ ‬السياسيين‭ ‬الذين‭ ‬تَمَلَّكتهم‭ ‬صفات‭ ‬الفرعونية؛‭ ‬فأصبح‭ ‬شعارهم‭: (‬وَقَالَ‭ ‬فِرْعَوْنُ‭ ‬ذَرُونِي‭ ‬أَقْتُلْ‭ ‬مُوسَى‭ ‬وَلْيَدْعُ‭ ‬رَبَّهُ‭ ‬إِنِّي‭ ‬أَخَافُ‭ ‬أَنْ‭ ‬يُبَدِّلَ‭ ‬دِينَكُمْ‭ ‬أَوْ‭ ‬أَنْ‭ ‬يُظْهِرَ‭ ‬فِي‭ ‬الأَرْضِ‭ ‬الْفَسَادَ‭). ‬غافر‭ ‬26‭. ‬

هذه‭ ‬الفرعونية‭ ‬تتلاشى‭ ‬فقط‭ ‬عندما‭ ‬تتماسك‭ ‬طبقات‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسلامي‭ ‬المكونة‭ ‬من‭ ‬طبقة‭ ‬الحكام‭ ‬وطبقة‭ ‬العلماء‭ ‬والشعب،‭ ‬وحماية‭ ‬لهذا‭ ‬التماسك‭ ‬نَظَّم‭ ‬الإسلام‭ ‬العلاقة‭ ‬بينها؛‭ ‬فجعل‭ ‬العلماء‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الحكام؛‭ ‬وجعل‭ ‬الشعب‭ ‬تابعا‭ ‬لهما،‭ ‬وجعل‭ ‬ضمانة‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬امتثال‭ ‬ما‭ ‬أمر‭ ‬الله‭ ‬به‭ ‬واجتناب‭ ‬ما‭ ‬نهى‭ ‬عنه‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الطبقات‭ ‬الثلاثة‭ ‬جميعها‭. ‬

وحتى‭ ‬لا‭ ‬تختل‭ ‬العلاقاتُ،‭ ‬وتضعف‭ ‬جماعة‭ ‬المسلمين‭ ‬ومجتمعاتهم‭ ‬جعل‭ ‬تطبيق‭ ‬الشرع‭ -‬الذي‭ ‬هو‭ ‬مراد‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬العباد‭ ‬وشرطَ‭ ‬تحقيق‭ ‬العبودية‭-‬،‭ ‬واجبا‭ ‬على‭ ‬الطبقات‭ ‬الثلاثة؛‭ ‬فوحَّد‭ ‬بذلك‭ ‬مرجعية‭ ‬التحاكم‭ ‬عند‭ ‬الوفاق‭ ‬والخلاف‭ ‬وفي‭ ‬المنشط‭ ‬والمكره؛‭ ‬وذلك‭ ‬حماية‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬التنازع‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬الضعف‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يزيغ‭ ‬الحاكم‭ ‬ويستبد‭ ‬بالأمر‭ ‬فيكثر‭ ‬فساد‭ ‬الدنيا؛‭ ‬ولا‭ ‬يضل‭ ‬العالم‭ ‬باتباع‭ ‬هوى‭ ‬السياسي‭ ‬فيفسد‭ ‬الدين‭ ‬ويفقد‭ ‬سلطته‭ ‬على‭ ‬النفوس،‭ ‬فينتج‭ ‬عن‭ ‬الفسادَين‭ ‬تيه‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬هَوْجَل‭ ‬الشهوات‭ ‬وشعاب‭ ‬الرذائل‭. 

فالشرع‭ ‬الإلهي‭ ‬فوق‭ ‬الجميع‭ ‬يتساوى‭ ‬الكل‭ ‬أمامه؛‭ ‬ولا‭ ‬يسع‭ ‬لأحد‭ ‬تعطيله‭ ‬ولا‭ ‬تحريفه‭ ‬ولا‭ ‬انتحال‭ ‬غيره‭ ‬شريعة‭ ‬ومنهاجا؛‭ ‬وهذه‭ ‬الفَوْقِيّة‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬خصائص‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬وبها‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬فاستمر‭ ‬طيلة‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬قرنا‭ ‬لم‭ ‬يتعرض‭ ‬لتحريف‭ ‬كما‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬الديانات‭ ‬الأخرى‭. ‬

ولضمان‭ ‬استقلالية‭ ‬العلماء‭ -‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكنهم‭ ‬القيامُ‭ ‬بواجبهم‭ ‬إلا‭ ‬بوجودها‭-‬،‭ ‬جعل‭ ‬علاقتهم‭ ‬مع‭ ‬الحكام‭ ‬علاقة‭ ‬تعاون‭ ‬وتعاضد،‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬خدمة‭ ‬وسخرة؛‭ ‬وأحلَّهم‭ ‬مقام‭ ‬السلطة‭ ‬بجانب‭ ‬الحكام؛‭ ‬حيث‭ ‬اعتبرهم‭ ‬من‭ ‬طبقة‭ ‬أولي‭ ‬الأمر‭ ‬الواجب‭ ‬طاعتهم‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الشعب،‭ ‬وجعلهم‭ ‬محل‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬التنازع‭ ‬بما‭ ‬استحفظوا‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬الله‭ ‬وسنة‭ ‬نبيه‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭. ‬

لكن‭ ‬عندما‭ ‬تفسد‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬طبقة‭ ‬الربانيين‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬وطبقة‭ ‬الحكام،‭ ‬يحاول‭ ‬القائمون‭ ‬على‭ ‬تسيير‭ ‬الدول‭ ‬تهميشهم‭ ‬والاستعاضة‭ ‬عنهم‭ ‬بعلماء‭ ‬السوء،‭ ‬فيعرضون‭ ‬حينها‭ ‬لسنة‭ ‬الابتلاء؛‭ ‬ولنا‭ ‬مئات‭ ‬الشواهد‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬ولعل‭ ‬ألصقها‭ ‬بِنَا‭ ‬موقف‭ ‬الإمام‭ ‬مالك‭ ‬في‭ ‬محنته‭ ‬المتعلقة‭ ‬بطلاق‭ ‬المكره،‭ ‬حيث‭ ‬ضغط‭ ‬السياسيون‭ ‬آنذاك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يفتيهم‭ ‬بوقوع‭ ‬طلاق‭ ‬المكره‭ ‬ونفاذه؛‭ ‬حتى‭ ‬يتوسل‭ ‬بفتواه‭ ‬إلى‭ ‬نفاذ‭ ‬بيعة‭ ‬المكره،‭ ‬فأبى‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬ورضي‭ ‬عنه‭ ‬إلا‭ ‬الثبات‭ ‬والصبر‭ ‬فكان‭ ‬مصيره‭ ‬التعذيب‭. ‬

ولنا‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬السياسيين‭ ‬الفاسدين‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الإسلام‭ ‬الذين‭ ‬يجعلون‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬وسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬تطويع‭ ‬الناس‭ ‬لمتطلبات‭ ‬الأهواء‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬الجماعات‭ ‬الضاغطة‭ ‬لأرباب‭ ‬الشهوات،‭ ‬كما‭ ‬لنا‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬السوء‭ ‬الذين‭ ‬يقفون‭ ‬مع‭ ‬السياسيين‭ ‬الفاسدين‭ ‬ضد‭ ‬العلماء‭ ‬الربانيين‭. ‬

أما‭ ‬اليوم‭ ‬مع‭ ‬تسلط‭ ‬العلمانية‭ ‬الدولية‭ ‬بعد‭ ‬قرون‭ ‬الاحتلال‭ ‬الغربي‭ ‬على‭ ‬غالبية‭ ‬النظم‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الإسلامية؛‭ ‬فقد‭ ‬صار‭ ‬الدين‭ ‬آلية‭ ‬من‭ ‬آليات‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬اتجاهات‭ ‬الشعوب‭ ‬وتحريف‭ ‬مطالبها،‭ ‬وكسر‭ ‬صلابتها،‭ ‬وتفتيت‭ ‬بنيانها‭. ‬

فأنشئت‭ ‬مؤسسات‭ ‬رسمية‭ ‬تحتكر‭ ‬الفتوى،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تنظيمها‭ ‬أو‭ ‬حمايتها‭ ‬من‭ ‬التسيب‭ ‬العلمي‭ ‬وصيانتها‭ ‬من‭ ‬تطاول‭ ‬الجهال‭ ‬والغلاة،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تجميد‭ ‬دور‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬تأطير‭ ‬الناس‭ ‬وتوجيه‭ ‬سلوكهم‭ ‬الجماعي‭. ‬

فأصبح‭ -‬ويا‭ ‬للأسف‭- ‬للدولة‭ ‬علماؤها‭ ‬الذين‭ ‬يشتغلون‭ ‬في‭ ‬مؤسساتها‭ ‬ولا‭ ‬يخرجون‭ ‬عن‭ ‬المرسوم‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬سياساتها‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬تجتهد‭ ‬في‭ ‬ملاءمتها‭ ‬مع‭ ‬مقتضيات‭ ‬العلمانية‭ ‬الدولية؛‭ ‬وأصبح‭ ‬السياسي‭ ‬يتدخل‭ ‬في‭ ‬الديني،‭ ‬والديني‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬له‭ ‬بالتدخل‭ ‬في‭ ‬السياسي‭. ‬

ولا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬علماء‭ ‬المؤسسات‭ ‬ليسوا‭ ‬علماء‭ ‬للأمة؛‭ ‬ولكننا‭ ‬نريد‭ ‬الإلماح‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إكراهات‭ ‬السياسة‭ ‬تكمم‭ ‬أفواههم؛‭ ‬فيوثرون‭ ‬السكوت‭ ‬في‭ ‬موطن‭ ‬البيان‭ ‬مخافة‭ ‬سطوة‭ ‬السياسي،‭ ‬وهروبا‭ ‬من‭ ‬الإرهاب‭ ‬العلماني‭ ‬المستقوي‭ ‬بنفوذ‭ ‬العلمانية‭ ‬الدولية،‭ ‬هذا‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬فاسدين‭ ‬يأمّون‭ ‬الناس‭ ‬رغم‭ ‬سقوط‭ ‬عدالتهم‭ ‬وكره‭ ‬الناس‭ ‬لهم‭. ‬

هذا‭ ‬الوضع‭ ‬جعل‭ ‬قسما‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬يفقد‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬الدينية،‭ ‬ويبحث‭ ‬له‭ ‬عن‭ ‬علماء‭ ‬ربانيين‭ ‬يستمد‭ ‬منهم‭ ‬الفتوى‭ ‬ويهتدي‭ ‬بما‭ ‬ينتجونه‭ ‬من‭ ‬وصايا‭ ‬وتوجيهات‭. ‬

فمكانة‭ ‬العلماء‭ ‬اليوم‭ ‬تتأرجح‭ ‬بين‭ ‬فريق‭ ‬يؤثر‭ ‬الإذعان‭ ‬للمؤسسة،‭ ‬وفريق‭ ‬يرى‭ ‬الواجب‭ ‬الشرعي‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصالح‭ ‬الأمة،‭ ‬والقيام‭ ‬بواجب‭ ‬البيان‭ ‬الذي‭ ‬نص‭ ‬عليه‭ ‬القرآن‭ ‬عند‭ ‬قول‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭: (‬وَإِذْ‭ ‬أَخَذَ‭ ‬اللَّهُ‭ ‬مِيثَاقَ‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬أُوتُوا‭ ‬الْكِتَابَ‭ ‬لَتُبَيِّنُنَّهُ‭ ‬لِلنَّاسِ‭ ‬وَلا‭ ‬تَكْتُمُونَهُ‭ ‬فَنَبَذُوهُ‭ ‬وَرَاءَ‭ ‬ظُهُورِهِمْ‭ ‬وَاشْتَرَوْا‭ ‬بِهِ‭ ‬ثَمَنًا‭ ‬قَلِيلا‭ ‬فَبِئْسَ‭ ‬مَا‭ ‬يَشْتَرُونَ‭) ‬آل‭ ‬عمران‭ ‬187‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬الازدواجية‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬طبقة‭ ‬العلماء،‭ ‬نتجت‭ ‬عن‭ ‬انفصال‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬السياسة‭ ‬كما‭ ‬أشرنا؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬خلق‭ ‬لنا‭ ‬جماعات‭ ‬وتيارات‭ ‬إسلامية‭ ‬تروم‭ ‬تقديم‭ ‬التصور‭ ‬الصحيح‭ ‬للدين‭ ‬بعد‭ ‬فساد‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬المسلمين،‭ ‬علما‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التشرذم‭ ‬والانقسام،‭ ‬يعود‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬بالضعف‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬تماسك‭ ‬المجتمع‭ ‬وقوته‭ ‬حكاما‭ ‬ومحكومين‭. ‬

إن‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الإسلامية‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬سياساتها‭ ‬للشأن‭ ‬الديني؛‭ ‬وأن‭ ‬توقف‭ ‬عمليات‭ ‬خلق‭ ‬دين‭ ‬إسلامي‭ ‬علماني‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬العلمانية‭ ‬الدولية؛‭ ‬فما‭ ‬نراه‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وسوريا‭ ‬من‭ ‬استغلال‭ ‬للدين‭ ‬في‭ ‬قتل‭ ‬الأبرياء‭ ‬وسجن‭ ‬العلماء‭ ‬شيء‭ ‬بالغ‭ ‬الهمجية،‭ ‬وللأسف‭ ‬بدأت‭ ‬الدائرة‭ ‬تتسع‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬الجماعات‭ ‬الإسلامية‭ ‬السلمية‭ ‬أو‭ ‬المقاومة‭ ‬للصهاينة‭ ‬هي‭ ‬أيضا‭ ‬ترمى‭ ‬بالإرهاب‭ ‬كبداية‭ ‬لتصفيتها‭ ‬وإبادتها‭ ‬نهائيا،‭ ‬نسأل‭ ‬الله‭ ‬السلامة‭. ‬

Source: howiyapress.com

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *