Table of Contents
وسط ظلام البحر الأبيض المتوسط، وقبل آلاف السنين من بناء الأهرامات أو ظهور الحضارات الكبرى، كان هناك من يقرأ النجوم ويصارع الأمواج العاتية في رحلات ليلية محفوفة بالمخاطر. لطالما ساد اعتقاد راسخ بأن البشر الأوائل الذين عاشوا على الصيد وجمع الثمار كانوا حبيسي اليابسة، عاجزين عن خوض غمار البحار المفتوحة بشكل منظم. لكن يبدو أن التاريخ يخبئ لنا مفاجأة مذهلة مدفونة في قلب جزيرة صغيرة؛ فالأدلة الجديدة تشير إلى أن هؤلاء الأسلاف امتلكوا مهارات ملاحية متطورة سبقت عصر الزراعة بقرون طويلة.
لغز الحفرة الصخرية في مالطا
في شمال جزيرة مالطا، وتحديداً في موقع يُعرف باسم “لاتنيا” (Latnija)، قاد فريق بحثي بقيادة عالمة الآثار إليانور سيري من معهد ماكس بلانك لعلم الإنسان الجيولوجي، عمليات تنقيب دقيقة داخل حفرة صخرية عميقة. ما وجدوه هناك لم يكن مجرد بقايا عادية، بل كان دليلاً أعاد كتابة الجدول الزمني لاستيطان الجزيرة.
كشفت الطبقات الرسوبية عن أدوات حجرية، ورماد مواقد، وعظام حيوانات برية تحمل علامات جزارة واضحة. وتشير نتائج التأريخ بالكربون المشع لهذه البقايا إلى أن البشر سكنوا مالطا قبل 8500 عام، أي أبكر بألف عام كاملة مما كان يعتقده العلماء سابقاً. هذا الاكتشاف المنشور في دورية Nature المرموقة يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف وصل هؤلاء البشر البدائيون إلى جزيرة معزولة في عرض البحر؟

عبور الصحراء الزرقاء
للوصول إلى مالطا، كان على هؤلاء “البحارة الأوائل” عبور مسافة لا تقل عن 100 كيلومتر من المياه المفتوحة. ورغم أن جزيرة صقلية هي الجارة الأقرب (على بعد 85 كم)، إلا أن التيارات البحرية القوية المتجهة من الشرق للغرب تفرض مساراً محدداً للملاحة. توضح سيري أن الطريق الأمثل كان يتطلب الانطلاق من نقطة شرقية في صقلية، مثل خليج جيلا، للاستفادة من دفع التيارات، مما يجعل الرحلة أطول وأكثر تعقيداً.
هذه الرحلات لم تكن مجرد حوادث فردية أو قوارب جرفتها الرياح، بل تشير الأدلة إلى حركة منهجية ومقصودة. تقول سيري: «نحن أمام عالم جديد من الرحلات البحرية في العصر الحجري الوسيط لم نكن نعلم عنه شيئاً». وتضيف أن النظرة السائدة كانت تقلل من شأن قدرات الصيادين وجامعي الثمار، معتبرة أن أي عبور بحري سابق (مثل وصول البشر لأستراليا قبل 40 ألف عام) كان حدثاً استثنائياً وليس سلوكاً روتينياً.
تكنولوجيا القوارب المفقودة
رغم غياب بقايا القوارب الخشبية التي تآكلت عبر الزمن، إلا أن الاكتشافات الموازية في شمال إيطاليا تقدم لنا لمحة عما كان متاحاً. فقد عُثر هناك على زوارق مجوفة من جذوع الأشجار تعود لنحو 7000 عام، يصل طول بعضها إلى 11 متراً ومزودة بثقوب قد تشير إلى وجود مثبتات توازن جانبية (Outriggers) بدائية.
وبحسب التجارب التي أجريت على نماذج مماثلة، فإن سرعة هذه القوارب لم تكن تتجاوز 4 كيلومترات في الساعة. هذا يعني أن رحلة الوصول إلى مالطا كانت تستغرق حوالي 25 ساعة متواصلة، مما يحتم على هؤلاء البحارة الملاحة ليلاً وسط البحر، معتمدين بالضرورة على معرفة دقيقة بمواقع النجوم وحركة التيارات لضمان عدم الضياع في الزرقة اللامتناهية.
شبكة تواصل عبر المتوسط
لا تتوقف القصة عند حدود مالطا. ففي دراسة جينية حديثة أخرى نُشرت نتائجها بالتزامن، تم تحليل الحمض النووي لرفات بشري عمره 8000 عام عُثر عليه في تونس. والمفاجأة كانت في العثور على أصول وراثية تعود للصيادين وجامعي الثمار الأوروبيين في شمال إفريقيا. هذا يشير بوضوح إلى أن هؤلاء المغامرين لم يكتفوا بالوصول للجزر، بل عبروا المتوسط جنوباً، ربما انطلاقاً من مالطا نفسها.
يعزز هذا الاكتشاف فرضية أن البحر المتوسط كان ساحة لتبادل البشر والتقنيات والأفكار في وقت أبكر بكثير مما كنا نظن. ويرى عالم الآثار سيبريان برودبانك من جامعة كامبريدج أن هذه النتائج تقربنا من تأكيد وجود شبكة تواصل واسعة النطاق بين ضفتي المتوسط في العصور السحيقة.
الهروب الكبير؟
يبقى السؤال: ما الذي دفع هؤلاء الصيادين لركوب البحر؟ يتزامن وصولهم إلى مالطا مع فترة تحولات كبرى في القارة الأوروبية، حيث بدأ المزارعون القادمون من الأناضول والهلال الخصيب في التوسع غرباً قبل حوالي 9000 عام، حاملين معهم نمط حياة جديد يعتمد على الزراعة وتدجين الحيوانات.
يرجح عالم الآثار روان ماكلافلين أن الضغوط الناتجة عن هذا التوسع الزراعي -الذي يُعد أحد أكبر التحولات في تاريخ أوروبا- قد تكون دفعت مجتمعات الصيادين للبحث عن ملاذات جديدة. ربما لم يكن ركوب البحر مجرد استكشاف، بل كان محاولة للحفاظ على نمط حياتهم القديم بعيداً عن زحف المزارعين الجدد. وبهذا، لم تكن مالطا مجرد جزيرة، بل كانت عالماً جديداً لهؤلاء البحارة المنسيين.