
بيروت – سمع اللبنانيون أخيرا إعلان تشكيل حكومة نجيب ميقاتي في لقائه الـ14 مع رئيس الجمهورية ميشال عون، بعد 13 شهرا على استقالة حكومة حسان دياب شهد فيها لبنان استعصاء وانهيارا غير مسبوق، اقتصاديا ومعيشيا وسياسيا وأمنيا.
وخلافا للرئيس سعد الحريري الذي استمر في مهمة التكليف 9 أشهر، وقبله أيضا مصطفى أديب الذي اعتذر هو الآخر صاغ ميقاتي اتفاقا ما زال مبهما مع الرئيس عون وفريقه نتجت عنه حكومة وصفها كثيرون بـ”حكومة المحاصصة السياسية”.
وبناء عليه، يترأس نجيب ميقاتي (65 عاما) حكومته الثالثة المؤلفة من 24 وزيرا، بعد حكومتي 2005 و2011، وكرس وصفه بالبراغماتي والوسطي الذي يجيد حياكة التسويات، وهو ثري ورجل أعمال، ينحدر من طرابلس (شمالي لبنان) من أكثر مدن لبنان وشرق المتوسط فقرا.
فكيف استطاع تشكيل حكومة في مهمة وصفت بالمستحيلة؟
في الساعات الأخيرة جرى الحديث عن ضغوط دولية واتصالات مكثفة لتذليل العقبات حول ما يعرف بالثلث المعطل لرئيس الجمهورية، والخلاف على تسمية الوزراء المسيحيين، وتوزيع بعض الحقائب السيادية والخدماتية.
ومن الحقائب التي حلت عقدها مثلا: الداخلية حيث تولاها بسام المولى رغم مطالبة عون سابقا بأن يتولاها وزير مسيحي، والمالية من حصة حركة أمل وتولاها مدير العمليات المالية في مصرف لبنان المركزي يوسف خليل رغم الفيتو الذي كان يفرضه عون على اسمه.
بالمقابل، حفظ عون لفريقه وزارات الاقتصاد والعدل والطاقة وغيرها من الحقائب لوزراء مسيحيين، في حكومة وزعت مناصفة بين المسيحيين والمسلمين.
ألغام الحكومة
وأكد تصريح ميقاتي أن القوى السياسية ممثلة بالحكومة، مما ينفي عنها صفة الاختصاصيين غير الحزبيين التي سوقت لها المبادرة الفرنسية بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/آب 2020.
وتطرح الكاتبة والمحللة السياسية روزانا بومنصف أسئلة حول مسائل تعتبرها غامضة وملغومة: فما التسوية التي دفعت عون للتخلي عن الثلث المعطل، أم أن هناك ثلثا مقنعا حفظه لفريقه؟
وتزعم بومنصف خلال حديث مع الجزيرة نت أن هناك قطبا مخفيا بالحكومة، وأن المكاسب التي تنازلت عنها بعض القوى السياسية قد تسعى لتعويضها بالتعيينات الإدارية.
وأمام الحكومة -وفق بومنصف- استحقاقان أساسيان: التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وإنجاز الانتخابات البرلمانية بربيع 2022.
وترجح أن يكون ذلك أولوية للبيان الوزاري بعد نيل ثقة البرلمان، إضافة إلى ملفات طارئة، مثل المحروقات والدواء وتداعيات رفع الدعم.
وبعد إعلان الحكومة سجلت الليرة تحسنا ملحوظا أمام الدولار، فانخفض سعر صرفه من 19 ألف ليرة إلى نحو 16 ألفا، ورأى كثيرون أن ذلك يندرج ضمن المعركة النفسية التي يعيشها اللبنانيون، وأن تحسن قيمة العملة يحتاج إصلاحات من الحكومة.
وتوازيا مع ذلك، يعتبر جوزيف باحوط مدير مركز عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية ببيروت أن ثمة تسوية كبيرة تشبه البازار، بعد أيام من السوداوية والتعقيد الحكومي.
ويرى باحوط أن ميقاتي لم يوضح تفاصيل التوافق، وكان غامضا لدى سؤاله عن نيته الترشح للانتخابات، علما أن أحد الشروط الدولية تشكيل حكومة بلا أعضاء مرشحين للاستحقاق البرلماني ضمانا للشفافية.
وقال للجزيرة نت إن تفاهم عون وميقاتي يذكر بالتسوية الرئاسية بين عون والحريري عام 2016، لجهة عدم وضوح مضمون التفاهمات التي تحولت لاحقا إلى خصومة شرسة.
من جهة أخرى، يعتبر الكاتب والمحلل السياسي حسين أيوب أن توليفة الحكومة تضمر التباسات كثيرة ساعدت بولادتها المفاجئة، وقد تضم أكثر من وزير “ملك” وأكثر من ثلث معطل، إذ توجد أسماء عدة لديها هامش واسع من الحركة بين القوى السياسية.
وقال أيوب للجزيرة نت إن الحكومة نضجت بضوابط لا تظهر أن أحدا بداخلها خسر أو ربح 100%.
ويرى أن حكومة ميقاتي ستعمل ضمن مجموعة من الأفخاخ، وأن “اللحظة التي سهلت ولادتها إقليميا قد تتغير أو تتعثر أو تجعل عملها غير سهل”، مرجحا أن يضع ميقاتي إجراء الانتخابات بمواعيدها أولوية كمطلب دولي.
امتدادات إقليمية
وسبق ولادة الحكومة تطورات إقليمية تجاه لبنان، أهمها انطلاق سفن المشتقات النفطية من إيران نحو سوريا لنقلها برا إلى لبنان، والموافقة الأميركية على اتفاقية بشأن دخول الغاز المصري عبر الأردن وسوريا إلى الداخل اللبناني، وزيارة وفد لبناني رفيع المستوى إلى دمشق.
وتزامنت تلك التطورات مع إجراءات داخلية، مثل رفع الدعم تدريجيا عن المحروقات، وحملة أمنية واسعة لإلقاء القبض على محتكري الأدوية والوقود، وإقرار مشروع البطاقة التمويلية بمعدل 126 دولارا لكل عائلة من الأكثر فقرا.
وهنا، تجد روزانا بومنصف أن الخارج يريد “فرملة” الانهيار بلبنان، مما تجلى بالمساعدات المدنية والعسكرية، و”بعض القوى الإقليمية تريد حكومة انتقالية لمرحلة الانتخابات رغم إغفالها مساعي داخلية لتأجيلها”.
لكن جوزيف باحوط يرى أن التسوية الدولية غير مكتملة، وأن فرنسا محرجة رغم مكسبها الشكلي، لأن الحكومة الراهنة لا تشبه فحوى مبادرتها، كإبقاء وزارة الطاقة مع فريق عون السياسي.
أما خليجيا فيرجح باحوط أن يستمر الحياد على قاعدة لا معاقبة ولا تشجيع طالما أن الحكومة تضم حزب الله “كما يترقب الخارج كيفية تعاطيها مع اتفاقية الغاز والبواخر الإيرانية”.
بالمقابل، يعتقد حسين أيوب أن هناك قوة دفع إقليمية دولية توفرت لأول مرة لولادة الحكومة، ولم يشهدها لبنان حتى خلال زيارتي ماكرون إلى بيروت في 2020.
ومن العوامل الدافعة -وفق أيوب- الاتصال قبل أيام بين الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبيان الرئاسة الإيرانية الذي أشار إلى أن “بذل الجهود والمساعي من جانب إيران وفرنسا وحزب الله من أجل تأليف حكومة لبنانية قوية يمكن أن يكون لمصلحة لبنان”.
ولفت إلى أن ذلك جاء بعد صفقة كبيرة فازت بها توتال في العراق، وهو أمر لا يمكن حصوله بمعزل عن الأميركيين والإيرانيين، وإزاء ذلك “بدا لبنان ساحة للتهدئة والتعبير عن حسن النوايا الإقليمية، فكانت لحظة مواتية تلقفها ميقاتي”، بحسب أيوب.
من هم الرابحون والخاسرون؟
تجد بومنصف أن الحكومة أطاحت بمفهوم تشكيل حكومة الاختصاصيين غير الحزبيين، فأعادت تعويم القوة السياسية.
وعليه، فـ”المجتمع المدني” الذي طالب بتغيير الطبقة السياسية هو الخاسر، إلى جانب المجتمع الدولي الذي تفاوض مع قوى سياسية حاول التنكر لها.
أما الرابح -وفق بومنصف- فهو القوى السياسية التي تقاسمت الحصص الحكومية، مذكرة بأن حزب الله هو الرابح الدائم، نظرا لدعم بيئته وهامشه الواسع بالتحرك.
ويتفق معها جوزيف باحوط، معتبرا أن القوى السياسية التقليدية فازت بالثورة المضادة للناس، وأن عهد عون أسقط مقولة عدم رغبته بتشكيل حكومة، كما ربح ميقاتي “جائزة” ترؤس الحكومة.
أما حسين أيوب فيرى أنه لا يمكن الحديث عن مكاسب لميشال عون، وإنما لصهره جبران باسيل، لأن حسابات الأخير سهلت ولادة الحكومة لارتباطها بطموحه الرئاسي.
والرابح الأول -برأي أيوب- هو نجيب ميقاتي، والخاسر الأول هو سعد الحريري، فـ”هذه ثالث حكومة يؤلفها ميقاتي بلحظات مفصلية، متجاوزا ألغاما كبيرة، فيما كان الحريري يرغب أن يكون رئيس الحكومة وألا يشكلها أحد سواه”.
