Table of Contents
لطالما كانت الثقوب السوداء “وحوشاً خجولة” تسكن عتمة الكون، تبتلع كل ما يقترب منها حتى الضوء نفسه، ومع ذلك ظلت ملامحها خفية عنا لعقود طويلة. كانت هذه العمالقة الكونية مجرد معادلات رياضية ورسومات تخيلية في أذهان الفيزيائيين، تسيطر على مصائر المجرات بكتلها الهائلة التي تفوق كتلة الشمس بملايين أو مليارات المرات. لكن عام 2019 غيّر كل شيء؛ حينما نجح البشر لأول مرة في التاريخ في النظر مباشرة إلى “عين الوحش”، والآن، يستعد العلماء للانتقال من مجرد التقاط صورة فوتوغرافية ثابتة إلى تصوير أول “فيلم سينمائي” لثقب أسود.
الإنجاز التاريخي: حين تحولت الأرض إلى تلسكوب
بعد أكثر من عقد من العمل المضني، أذهل فريق “تلسكوب أفق الحدث” (EHT) العالم بالكشف عن أول صورة مباشرة لأفق الحدث لثقب أسود، وهي المنطقة التي لا يمكن لأي شيء الهروب من جاذبيتها بمجرد تجاوزها. ولتحقيق هذا الإنجاز الذي بدا مستحيلاً، لم يستخدم العلماء تلسكوباً واحداً، بل قاموا بربط سبعة مراصد فلكية موزعة حول العالم لتشكل معاً أداة رصد افتراضية بحجم كوكب الأرض نفسه.
كانت النتيجة صورة أيقونية لهالة دائرية متوهجة تحيط بظلام دامس، تمثل ظل الثقب الأسود القابع في قلب مجرة “مسييه 87” (M87). هذا التوهج لم يكن سوى “القرص المزوِّد”؛ غازات ومواد تلتف حول الثقب الأسود وتتوهج بشدة قبل أن يلتهمها بشهية جاذبيته التي لا تشبع. لم تكن هذه الصورة مجرد انتصار تقني، بل كانت دليلاً دامغاً عزز صحة النظرية النسبية العامة لأينشتاين، وقدمت أفضل طريقة حتى الآن لقياس كتلة الثقوب السوداء.
تحدي “تشيتا” درب التبانة
بينما كان الثقب الأسود في مجرة “M87” هدفاً مثالياً للصورة الأولى نظراً لضخامته الهائلة (6.5 مليار كتلة شمسية) وبعده الذي جعله يبدو ثابتاً نسبياً، يواجه العلماء تحدياً مختلفاً تماماً مع الثقب الأسود الموجود في مركز مجرتنا درب التبانة، المعروف باسم “الرامي A*” (Sgr A*).

يصف أندرو تشايل، عضو فريق EHT والفيزيائي الفلكي بجامعة برينستون، الفرق بين الاثنين بتشبيه بليغ: “كان الثقب الأسود في M87 جالساً بهدوء لالتقاط صورته، أما الرامي A* فهو أشبه بفهد (تشيتا) يركض عبر إطار الصورة”. ورغم أن ثقبنا الأسود المحلي يزن حوالي 4 ملايين مرة كتلة الشمس، إلا أنه أصغر بكثير وأسرع تقلباً من نظيره في M87. الغازات التي تدور حوله تتحرك بخفة وسرعة مذهلة، مما يغير سطوعها وشكلها في غضون دقائق فقط، مقارنة بالأسابيع التي يستغرقها التغير في M87.
من الصورة الثابتة إلى الصورة المتحركة
نظراً لهذه الطبيعة المتقلبة والسريعة لثقب “الرامي A*”، يرى كازو أكياما، الفيزيائي الفلكي بمرصد “إم آي تي”، أننا قد نحتاج إلى بناء “فيلم” بدلاً من صورة ثابتة واحدة. لكن الأمر ليس بالسهولة التي نتخيلها؛ إذ لا يمكن ببساطة تجميع لقطات من ليلة رصد واحدة، فالمعلومات المتاحة في كل جزء صغير غير كافية لإنتاج صورة موثوقة، وكما تقول كاتي بومان، عالمة البيانات في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا: “إذا فعلنا ذلك، فسنعيد بناء هراء لا معنى له”.
الحل الذي يعمل عليه الفريق يكمن في تطوير خوارزميات ذكية لملء الفجوات في البيانات، معتمدة على فرضية أن تطور المصدر ليس عشوائياً، بل هناك استمرارية منطقية في كيفية تحرك الغاز حول الثقب الأسود. إذا نجحوا في ذلك، فإن الحصول على رؤية واضحة لأفق حدث “الرامي A*” سيوفر للفيزيائيين فرصة لا تعوض لاختبار النظرية النسبية في بيئة قاسية ومحلية، حيث كتلة الثقب الأسود معروفة بدقة بفضل عقود من مراقبة النجوم التي تدور حوله.
فك شفرة “المجال المغناطيسي” الكوني
لا تتوقف طموحات العلماء عند مجرد الرؤية، بل يسعون لفهم الآلية التي تعمل بها هذه المحركات الكونية. البيانات التي جمعها التلسكوب تخفي في طياتها كنزاً آخر: استقطاب الضوء (Polarization). قياس اتجاه موجات الضوء المنبعثة من الحلقة الساطعة حول الثقب الأسود سيسمح للعلماء برسم خريطة للمجالات المغناطيسية القوية المحيطة به.

يعتقد الفيزيائيون أن هذه المجالات المغناطيسية هي المسؤولة عن التحكم في كيفية “أكل” الثقب الأسود للمادة. يوضح مايكل جونسون، الفيزيائي الفلكي بمركز هارفارد-سميثونيان: “لدينا نظريات جميلة حول سبب قدرة الثقوب السوداء على الأكل، لكننا لم نرَ دليلاً على ذلك قط”. فمن الصعب جداً في الواقع أن تسقط المادة في ثقب أسود وتظل تدور للأبد ما لم تكن هناك لزوجة أو احتكاك يسحبها للداخل، والمجالات المغناطيسية هي المشتبه به الأول في خلق هذه اللزوجة.
إضافة إلى ذلك، قد يفسر الاستقطاب لغز النفاثات العملاقة التي يطلقها ثقب M87 لسنوات ضوئية في الفضاء. فإذا تمكن العلماء من رؤية تشابك المجالات المغناطيسية مع الثقب الأسود أثناء دورانه، فقد يفهمون أخيراً كيف تنطلق هذه النفاثات الطاقية.
مستقبل أكثر دقة ووضوحاً
المستقبل يحمل وعوداً أكبر؛ حيث يستعد فريق تلسكوب أفق الحدث لتشغيل شبكتهم مرة أخرى في أبريل 2020، وهذه المرة بمشاركة 11 مرصداً، بما في ذلك مراصد في قمم جبال أريزونا وجبال الألب الفرنسية. وتذهب الطموحات إلى أبعد من الأرض، حيث يدرس العلماء إمكانية إرسال تلسكوب إلى الفضاء الخارجي لدمجه في الشبكة، مما سيزيل عوائق الطقس الأرضي ويسمح بالتقاط صور أكثر حدة ودقة لعدد أكبر من الثقوب السوداء، لننتقل بذلك من عصر اكتشاف وجودها إلى عصر فهم فيزيائها المعقدة.