
بعد التحية والسلام.. بكل حب أردت أن أتقاسم معكم تجربي في تربية ابنتي، أتمنى أن تكون عبرة لمن يقرؤها الآن، أعترف أنني أخطأت، لكن استطعت تدارك الأمر، أجل طالت المدة بعض الشيء، لكن ربي كان لطيفا بي وبابنتي عادت من طريق الضياع بعدما ساقتها إليه قسوتي.
أجل، فتربيتي القاسية لابنتي لخوفي عليها أفسدتها، لكن لم أكن أقصد ذلك، أشير لكم الأمر: أنا سيدة تزوجت بعدما تخطيت العقد الرابع من عمري، خشيت كثيرا بعدها ألا أرزق بأولاد، كنت أدعي الله في كل صلاة أن أحظى بنعمة الأمومة وأسمع كلمة “ماما”، وبعد عدة شهور، الحمد لله وجدت نفسي حاملا، بدأت البحث عن أسلوب حياة صحي حتى أمارسه مع طفلي، وضعتها وكانت بنتا، وحرصت منذ اللحظة الأولى أن تكون تربيتها وحياتها مثالية، بدأت تكبر وأسلوبي معها لم يتغير، ظنا مني أنني أحميها، ممنوع الأكل من الشارع، النظافة طوال الوقت، ممنوع الاستماع إلى أي كلام، أو اللعب مع أي كان، لكن هي بالمقابل كانت كثيرة البكاء، تحب اللعب وأنا أمنعها، تطلب شراء حلويات الأطفال وأنا أرفض، حتى “شيبسي” لم تعرف طعمه، جاءت مرحلة الدراسة وازددت صرامة، لا بل صرت أتدخل حتى في شؤون المؤسسة الداخلية، وأطلب من المديرة تحضير وجبة الغداء للتلاميذ وفقا لما أحب أن تأكله ابنتي، إلى أن فوجئت بكارثة عندما اتصلت بي مديرة المدرسة، وأخبرتني أنها شاهدت ابنتي تأخذ من الأرض ما يسقط من التلاميذ الآخرين وتأكله، لم أتحمل الأمر، واجهتها، فبكيت وأخبرتني أنها فعلت لأنها اشتهت تلك الأطعمة وأنا أرفض أن أشتريها، تعاملت مع الأمر بحزم وكنت أضربها وهي تبكي لساعات طويلة، رزقت بعد ابنتي بطفلين، فتاة وصبي، كنت قد أدركت خطئي، فغيّرت أسلوبي معهم، لكني شعرت أن الأوان قد فات مع ابنتي الكبرى.
بقيت ابنتي على ذلك الوضع، توالت السنين وبدأت ألاحظ بعض التغيرات عليها، فقد انتقلت إلى مرحلة دراسية أخرى، لأصدم أن ابنتي كانت كثيرة التغيب، لم أكن أدري ماذا أفعل، تقربت من زميلة لها فأخبرتني بالكارثة.. ابنتي أصبحت تسلك طريقا منحرفا، فهي بدأت تتعرف على أولاد منحرفين وتخرج معهم.. ابنتي تدخن.. شعرت بدوار وأنني خسرت الرهان، ابنتي التي ظننت أنني ربيتها بطريقة مثالية أصبحت هكذا؟، انتظرتها حتى جاءت للمنزل وواجهتها بالأمر وتعاملت مع المشكلة بالضرب ومنعها من الخروج من المنزل، مُحاولةً تأديبها، لكن هيهات.. زادت الفجوة بيننا، أعلم أن السؤال الذي قد تبادر إلى أذهانكم الآن هو أين الأب..؟، سأجيب: بالرغم من كل تلك الصرامة والقسوة مني، لم أكن أريد أن أخبر زوجي بالأمر خوفا عليها من عقوبة أشد من تلك التي كانت تنالها مني، ولم أكن أطلعه على ما يحصل.
بعد الذي حصل بفترة، مرضت بشدة، واضطررت إلى البقاء في المستشفى، هناك شاهدت ابنتي وهي تدخن في غرفة المستشفى، وعندما حاولت منعها، قامت بدفعي، وقالت إنها تنتظر تلك اللحظة، “لحظة ضعفي”، فأنا لا أستطيع الحركة، قالت إنها تتمنى موتي في أقرب وقت، آااه كم مؤلمة تلك الكلمات، بقيت أبكي طوال اليوم، لكن غريزة الأم فيّ لم تسمح لي أن أستسلم، حاسبتي نفسي ووجدت الحل في استشارات طبيبة نفسية، استغليت وجودي في المستشفى وتحدثت إلى واحدة منهن عن طريقتي في التعامل معها، عن أخطائي ونواياي، ورغبتي أن تكون مثالية، فأخبرتني أن كل ما تحتاج إليه هو الحب، وأن تعترفي بحبك لها، أخذت توجيهاتها بعين الاعتبار، وعملت بها بعد خروجي من المستشفى، تحدثت معها بهدوء، اعتذرت منها وبكيت، أخبرتها أني أحبها، وأني كنت مخطئة، ومهما كانت مبرراتي فإني أعترف بخطئي.
احتاج مني الأمر مدّة من أجل ترميم الأمر وإصلاح ما تهدم بيننا، لكن الحمد لله، ابنتي عادت إليّ مرة أخرى، وأصبحت من المتفوقات، وقد بدأت أولى سنواتها في الطور الثانوي من المتفوقات.
نصحيتي لكل أم..
أعلم مدى خوفك على أطفالك، والرعب الذي تشعر به أي أم عندما يرتكب أولادها خطأ، لكن في بعض الحالات، قد يكون التغاضي عن بعض الأمور في صالحهم، طالما كنتم أصدقاء وتتحدثون معا بصراحة.
“أم رياض” من الوسط


