Table of Contents
تخيل أن تحزم حقائبك لرحلة عمل قصيرة مدتها ثمانية أيام فقط، ثم تجد نفسك عالقاً بعيداً عن الأرض لمدة تسعة أشهر كاملة! هذا ليس سيناريو لفيلم خيال علمي، بل هو الواقع الذي عاشه رائدا الفضاء الأمريكيان سوني ويليامز وبوتش ويلمور، اللذان عادا أخيراً إلى أحضان الجاذبية الأرضية في الثامن عشر من مارس الجاري.
عودة انتظرناها طويلاً
بعد رحلة مدارية استمرت أكثر من 270 يوماً، هبطت كبسولة “دراغون” التابعة لشركة “سبيس إكس” بسلام قبالة سواحل خليج فلوريدا، حاملة الرائدين اللذين انطلقا في الأصل على متن مركبة “ستارلاينر” التابعة لشركة بوينغ في الخامس من يونيو الماضي. كانت الخطة الأصلية تقضي بمهمة تجريبية سريعة لمحطة الفضاء الدولية، لكن المشاكل التقنية التي واجهت “ستارلاينر” أجبرت ناسا على اتخاذ قرار صعب: إعادة المركبة فارغة، وإبقاء الطاقم في المحطة الفضائية لحين توفر وسيلة عودة آمنة بديلة.

ورغم الابتسامات العريضة وعلامات النصر التي رفعها ويليامز وويلمور لحظة خروجهما من الكبسولة، فإن القصة الحقيقية تبدأ الآن داخل المختبرات الطبية؛ حيث يخضع الثنائي لسلسلة مكثفة من الفحوصات لفهم كيف أثرت هذه الإقامة الجبرية الطويلة في بيئة الجاذبية الصغرى على وظائفهما الحيوية.
الفاتورة البيولوجية للبقاء في الفضاء
صحيح أن هذه المدة ليست رقماً قياسياً عالمياً—إذ يحمل الرائد الروسي فاليري بولياكوف الرقم القياسي بـ 437 يوماً متتالياً، والأمريكي فرانك روبيو بـ 371 يوماً—إلا أن الفرق الشاسع بين الاستعداد لثمانية أيام والبقاء لتسعة أشهر يضع الجسم البشري أمام تحديات غير متوقعة. تقول راشيل سيدلر، عالمة الفسيولوجيا التطبيقية بجامعة فلوريدا والتي تدرس تأثيرات الرحلات الفضائية على الدماغ: «كلما طالت فترة بقاء الشخص في الفضاء، زاد حجم التغيرات التي تطرأ على جسده».
وتشير سيدلر إلى أن التدهور الصحي ليس خطياً دائماً؛ فبعد ستة أشهر، يبدو أن وتيرة التغيرات تتباطأ قليلاً، لكن القائمة الطويلة من الآثار الجانبية المحتملة تظل مثيرة للقلق. تشمل هذه الآثار:
- فقدان الكثافة العظمية والكتلة العضلية.
- اضطرابات في الرؤية وهيكلية العين.
- تغيرات في بنية الدماغ.
- خلل في وظائف الجهاز المناعي.
عندما تفقد حواسك بوصلتها
أحد التحديات الفورية التي يواجهها الرائدان الآن يتعلق بـ الجهاز الدهليزي (Vestibular system) في الأذن الداخلية، وهو المسؤول عن التوازن وإدراك وضعية الجسم، والذي يعتمد بشكل أساسي على الجاذبية ليعمل بكفاءة. توضح سيدلر أن غياب الجاذبية لفترة طويلة يربك هذا النظام، مما يعني أن ويليامز وويلمور سيعانيان غالباً من مشاكل في التوازن خلال الأيام أو الأسابيع الأولى بعد العودة.
الهاجس الأكبر يتعلق بالنظر؛ فوفقاً للإحصائيات، يعاني حوالي 70% من رواد الفضاء الذين يقضون ستة أشهر أو أكثر في المدار من تورم في الجزء الخلفي من العين. هذه الظاهرة المرتبطة بتغير توزيع سوائل الجسم في الفضاء تؤدي إلى تغيرات هيكلية تشمل تسطح مقلة العين وانثناءات في الأعصاب التي تنقل المعلومات البصرية إلى الدماغ، مما قد يسبب مشاكل دائمة في الرؤية.
الجهاز المناعي وإعادة كتابة الشيفرة
بعيداً عن العظام والتوازن، هناك معركة خفية تدور على المستوى الجزيئي. تشير إليا أوفر بي، الباحثة في مجال الملاحة الفضائية الحيوية بجامعة أوستن في تكساس، إلى بيانات مثيرة تم جمعها من طاقم مهمة “Inspiration4” المدنية التي استمرت ثلاثة أيام فقط. لاحظ العلماء أن بعض الخلايا المناعية للطاقم خضعت لعملية “إعادة تنظيم للحمض النووي” (DNA reorganization).
تتساءل أوفر بي وفريقها: «إذا حدث هذا خلال ثلاثة أيام، فكيف ستؤثر تسعة أشهر على قدرة الجسم على الاستجابة للأمراض مستقبلاً؟». الإجابة على هذا السؤال ستكون محور الفحوصات الدقيقة التي تجريها ناسا الآن ضمن بروتوكول “المقاييس المعيارية للرحلات الفضائية”، والذي يشمل تحليل الدم، البول، الميكروبيوم (البكتيريا المعوية)، والقدرات الإدراكية.
إن البيانات التي سيقدمها جسدا ويليامز وويلمور لن تخدم صحتهما فحسب، بل ستكون حجر الزاوية لمستقبل البشرية خارج الأرض. وتختتم أوفر بي حديثها بعبارة تُلخص المشهد: «قدرتنا على المنافسة في استكشاف الفضاء ستعتمد كلياً على قدرتنا الحفاظ على صحة روادنا».