Table of Contents
في عشرينيات القرن الماضي، وبينما كانت ميكانيكا الكم تخطو خطواتها الأولى لقلب مفاهيم الفيزياء رأساً على عقب، وقف الفيزيائي الشهير فيرنر هايزنبرغ مبهوراً بجمال تجربة علمية أجراها زميله الكندي جون ستيوارت فوستر حول ظاهرة «تأثير شتارك». لكن، وفي غمرة هذا الانبهار، تجاهل هايزنبرغ حقيقة صارخة كانت ماثلة أمامه: لم يكن فوستر وحيداً في هذا المضمار، بل كانت هناك فيزيائيتان، جين ديوي ولورا تشوك، تعملان على التجارب ذاتها وبدقة متناهية، إلا أن التاريخ -وهايزنبرغ- اختارا إسدال الستار عليهما. هذه القصة ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي عنوان لفصل طويل من التهميش يكشف عنه كتاب جديد يُعيد ترتيب أوراق التاريخ العلمي.
«فيزياء الفتيان»: حينما كان المختبر حكراً ذكورياً
لقد عُرفت ميكانيكا الكم في سنواتها الأولى بلقب ألماني ذي دلالة: (Knabenphysik)، أي «فيزياء الفتيان»، في إشارة إلى صغر سن الفيزيائيين الذين قادوا هذه الثورة العلمية، وافتراضاً ضمنياً بأن هذا المجال حكر على الذكور. لكن الواقع كان يروي قصة مغايرة؛ فالنساء كنّ هناك منذ البداية، يعملن في الظل وسط بيئة لا تعترف بوجودهن.

مع احتفال المجتمع العلمي بمرور 100 عام على تأسيس ميكانيكا الكم، يأتي كتاب «نساء في تاريخ ميكانيكا الكم» (Women in the History of Quantum Physics) ليقدم سرداً إنصافياً لحياة 16 عالمة فيزياء. يسرد الكتاب كيف أجرت جين ديوي قياسات دقيقة لـ «تأثير شتارك» (Stark effect) -وهي ظاهرة تتغير فيها أطوال موجات الضوء التي تمتصها أو تبعثها الذرة تحت تأثير مجال كهربائي خارجي- بالتوازي مع أعمال فوستر على ذرة الهيليوم. وفي الوقت نفسه، كانت لورا تشوك، طالبة الدكتوراه تحت إشراف فوستر، تدرس التأثير ذاته في الهيدروجين. ورغم تماثل الجهود، حظي فوستر بمسيرة مهنية لامعة، بينما غادرت ديوي وتشوك البحث الأكاديمي في نهاية المطاف.
حواجز مؤسسية: من الشائعات إلى القوانين المجحفة
لم يكن خروج هؤلاء النساء من المشهد العلمي نابعاً من نقص في الكفاءة، بل نتيجة لعقبات مؤسسية ممنهجة. يُظهر الكتاب كيف نُسبت مساهمات النساء في كثير من الأحيان إلى مشرفيهن الذكور، وكيف تم إقصاؤهن من «نوادي الفتيان» التي كان العلماء الرجال يدعمون من خلالها بعضهم البعض.
عانى الكثير منهن من التمييز المباشر؛ فقد كافحت جين ديوي للحصول على منصب دائم، لدرجة أنها لُقبت بـ «حماقة ماجي» (Magie’s Folly) نسبة إلى الفيزيائي ويليام فرانسيس ماجي الذي دعمها، وكأن وجودها كان خطأً يجب تبريره. وحتى عندما وجدت ملاذاً في كلية برين ماور للنساء، تم استبدالها برجل بمجرد اضطرارها لأخذ إجازة مرضية.
أما لورا تشوك، فقد واجهت نوعاً آخر من العوائق؛ إذ حُرمت من منحة دراسية بسبب شائعة كاذبة حول خطوبتها، في زمن كان يُنتظر فيه من النساء المتزوجات ترك وظائفهن. وعندما تزوجت بالفعل، اصطدمت بقوانين «مكافحة المحسوبية» التي كانت تمنع عمل الأزواج في القسم نفسه، مما أدى إلى إنهاء عملها في جامعة ماكجيل الكندية، وهي عقبة دمرت المسار المهني لعدد لا يُحصى من العالمات.
ما وراء أسطورة «العبقرية الوحيدة»
من اللافت أن محرري الكتاب اتخذوا قراراً جريء باستبعاد الأسماء الأسطورية مثل ماري كوري من هذا السرد. الهدف من ذلك هو تفكيك خرافة «العبقري الوحيد»؛ فالتركيز المستمر على الاستثناءات الخارقة قد يعزز فكرة أن المرأة لا مكان لها في الفيزياء إلا إذا كانت «معجزة». بدلاً من ذلك، يركز الكتاب على نساء كن باحثات شغوفات قدمن إسهامات حقيقية في ظروف صعبة، مثل كاثرين واي التي أنشأت قاعدة بيانات حيوية للبيانات الذرية والنووية، وكارولين باركر، الفيزيائية الأمريكية السوداء التي عملت في ظل قوانين الفصل العنصري (Jim Crow).
نظرة نحو المستقبل: العلم للجميع
يضم الكتاب أيضاً شخصيات حديثة مثل الفيزيائية المكسيكية آنا ماريا سيتو، التي تعد من المنظمين للعام الدولي لعلوم وتكنولوجيا الكم 2025. إن استعراض هذه السير الذاتية يؤكد حقيقة جوهرية: الإسهام في ميكانيكا الكم لا يتطلب أن يكون المرء عبقرياً خارقاً للعادة، بل يتطلب شغاً وإصراراً. ورغم أن الكتاب يحتوي على معادلات ومفاهيم فيزياء متقدمة قد تكون موجهة للمتخصصين، إلا أن القصص الإنسانية لهؤلاء النساء تظل ملهمة ومفهومة للجميع، مذكرة إيانا بأن تاريخ العلم أوسع وأغنى مما ترويه الكتب المدرسية التقليدية.