Table of Contents
لعقود طويلة، ظلّ هذا السؤال يتردد كصدى مزعج في أروقة متاحف التاريخ الطبيعي وبين علماء الأحافير: هل تلك الجماجم الصغيرة ذات الأسنان الحادة تعود لنوع فريد من الديناصورات القزمة، أم أنها مجرد نسخة “مراهقة” من العملاق الشهير “تيريكس”؟ عام 2025 أبى أن يرحل دون أن يضع حداً لهذا الجدل التاريخي، مقدماً الإجابة القاطعة عبر دليل غير متوقع جاء من عظام الحلق لا من عظام الساق.
لغز عمره ثمانون عاماً
بدأت الحكاية في أربعينيات القرن الماضي، عندما نُبشت جمجمة غامضة لديناصور لاحم. كانت الجمجمة تشبه إلى حد مذهل جمجمة “التايرونوصور ريكس” (T. rex)، لكنها أصغر حجماً وأكثر رشاقة. ومنذ ذلك الحين، انقسم المجتمع العلمي إلى معسكرين: فريق يرى أن هذه العظام تعود لديناصور يمر بمرحلة المراهقة وسينمو ليصبح الملك المرعب “تيريكس”، وفريق آخر يصر على أننا أمام نوع منفصل تماماً، ديناصور مصغر أطلقوا عليه اسم “نانوتيرانيوس” (Nanotyrannus).

لسنوات طويلة، مالت كفة الإجماع العلمي نحو فرضية “المراهق”، معتبرين أن الاختلافات في الشكل مجرد تغيرات نمو طبيعية. لكن دراسة حديثة نُشرت في الرابع من ديسمبر في دورية Science المرموقة قلبت الطاولة، مستخدمة تقنية مبتكرة لقراءة عمر الديناصور من منطقة لم يلتفت إليها أحد من قبل.
الشاهد الصامت في الحنجرة
عادةً ما يلجأ علماء الأحافير إلى علم الأنسجة (Histology) – وتحديداً دراسة حلقات النمو في عظام الأطراف الطويلة – لتحديد عمر الديناصور عند نفوقه، تماماً كما نعد حلقات الأشجار. لكن المشكلة في هذه الحالة كانت غياب الأطراف؛ فالجمجمة المتنازع عليها لا تمتلك ساقاً لتخبرنا بقصتها.
هنا برزت عبقرية الباحث كريستوفر غريفين (Christopher Griffin) من جامعة برينستون وفريقه، الذين قرروا البحث عن بديل. وقع اختيارهم على “العظم اللامي” (Hyoid bone)، وهي مجموعة من العظام الدقيقة الموجودة في الحلق والتي تدعم اللسان والحنجرة، وتتميز بتركيب أنبوبي بسيط يشبه عظام الأطراف.
يقول غريفين عن لحظة البداية: «كنا نتوقع أن نجد علامات تشير لعدم النضج، أي أن الحيوان يافع». ويعترف بصدق العالم: «في ذلك الوقت، كانت فرضية الـ تيريكس هي السائدة، وبما أنني لست خبيراً متخصصاً في التيرانوصورات، كنت آخذ بالرأي السائد كمسلمة».
مفاجأة تحت المجهر
قام الفريق بأخذ مقاطع عرضية رقيقة من العظم اللامي للجمجمة وفحصها تحت المجهر. كانت التوقعات تشير إلى رؤية حلقات نمو متباعدة وسريعة التشكل، وهي السمة المميزة للكائنات التي ما زالت في طور النمو المتسارع (المراهقة). لكن ما رآه غريفين كان صادماً.

أظهرت التحليلات المجهرية أن حلقات النمو كانت متراصة ومتقاربة للغاية، وهو نمط لا يظهر إلا عندما يتوقف الحيوان عن النمو السريع ويصل إلى مرحلة البلوغ الكامل. الجمجمة التي أثارت الجدل لعقود لم تكن لمراهق، بل لحيوان بالغ تماماً توقف عن النمو.
وللتأكد من دقة استخدام العظم اللامي كمؤشر للعمر، لم يكتفِ الفريق بالديناصورات، بل قارنوا النتائج مع أقارب الديناصورات الأحياء مثل التماسيح والنعام، بالإضافة لمقارنتها مع أحافير مؤكدة لـ “تيريكس” و”ألوصور”. وجاءت النتائج متطابقة: العظم اللامي يسرد قصة العمر بدقة تضاهي عظام الساق.
نهاية عصر “المراهق” وبداية عهد النوع الجديد
بهذه النتيجة، يُسدل الستار على جدل طويل. الجمجمة الشهيرة تعود رسمياً لنوع Nanotyrannus lancensis، وهو تيرانوصور قزم عاش في ظل أبناء عمومته العمالقة، لكنه كان صياداً مستقلاً وناضجاً، وليس مجرد نسخة مصغرة منهم.
ما يعزز هذه النتيجة هو أنها تأتي بالتزامن مع دراسة مستقلة أخرى نُشرت الشهر الماضي، توصلت لنفس الاستنتاج عبر تحليل أحفورة مختلفة لتيرانوصور صغير، مؤكدة أنه أيضاً لم يكن “تيريكس” يافعاً.
يعلق غريفين على هذا التوافق العلمي قائلاً: «لقد التقينا عند نفس النتيجة النهائية، مستخدمين خطين مختلفين تماماً من الأدلة». هذا الاكتشاف لا يغير اسم ديناصور في الكتب فحسب، بل يعيد رسم تصورنا للنظام البيئي في العصر الطباشيري، حيث كانت المفترسات متوسطة الحجم مثل “النانوتيرانيوس” تملأ الفراغ البيئي بين الديناصورات الصغيرة والعمالقة المرعبين.