Table of Contents
تخيل كوكباً يحتفل العالم باكتشافه، تُلتقط له الصور المباشرة، ويُطلق عليه اسم رسمي، ثم فجأة… يختفي في ظلام الفضاء وكأنه لم يكن. هذه ليست قصة خيال علمي، بل هي المعضلة التي حيرت علماء الفلك لأكثر من عقد حول الكوكب المزعوم “فم الحوت ب” (Fomalhaut b). اليوم، يبدو أن تلسكوب هابل الفضائي قد قدم الدليل القاطع الذي يحل هذا اللغز الكوني، ليس عبر اكتشاف كوكب جديد، بل من خلال رصد بقايا كارثة فضائية هائلة.
مشهد عنيف في فناء “فم الحوت” الخلفي
في تطور مثير، رصد علماء الفلك أدلة قوية تشير إلى وقوع تصادم عنيف بين جسمين بحجم الكويكبات يدوران حول النجم الشهير “فم الحوت” (Fomalhaut)، الذي يبعد عنا حوالي 25 سنة ضوئية. وفقاً للدراسة المنشورة في دورية Science، فإن هذا الحدث لا يقدم فقط تفسيراً لاختفاء الكوكب المزعوم سابقاً، بل يمنحنا نظرة نادرة للغاية على كيفية تشكل الأنظمة النجمية وتطورها.

يوضح جيسون وانغ، عالم الفلك في جامعة نورث وسترن الأمريكية، أهمية هذا الاكتشاف قائلاً: “إنها المرة الأولى التي نرى فيها تصادماً بين كواكبات مصغرة (Planetesimals) خارج نظامنا الشمسي”. وحدث هذا التصادم العنيف داخل قرص الحطام والغبار المحيط بالنجم، وهي منطقة تشبه إلى حد كبير حزام كايبر في مجموعتنا الشمسية، حيث يُعتقد أن التصادمات العنيفة أمر شائع، ولكن لم يتم رصدها بشكل مباشر من قبل.
حل لغز الكوكب الذي “تبخر”
نتج عن هذا الارتطام سحابة هائلة من الغبار ظهرت في صور هابل كبقعة مضيئة. ومن خلال تحليل حجم هذه السحابة، قدّر الباحثون أن الجرمين المتصادمين كانا بقطر يبلغ حوالي 30 كيلومتراً لكل منهما، أي أكبر قليلاً من قمر المريخ “فوبوس”. وهنا تكمن القطعة المفقودة في أحجية “فم الحوت ب”.
عندما اكتُشف “فم الحوت ب” عام 2008، احتفت به الأوساط العلمية كأول كوكب خارج المجموعة الشمسية يتم تصويره مباشرة في الضوء المرئي. لكن سرعان ما بدأت الشكوك تحوم حوله بعد أن فشلت عمليات الرصد اللاحقة في تحديد موقعه، إذ بدا وكأن الكوكب قد تلاشى. البيانات الجديدة التي قدمها هابل تقترح سيناريو بديلاً ومقنعاً: ذلك “الكوكب” لم يكن كوكباً على الإطلاق، بل كان سحابة غبار متوسعة ناتجة عن تصادم سابق مشابه للتصادم الجديد الذي تم رصده مؤخراً.

تشير الأدلة إلى أن السحابة الجديدة تشبه إلى حد كبير الهيئة التي ظهر عليها “فم الحوت ب” عند اكتشافه لأول مرة. وبمرور الوقت، توسعت سحابة “الكوكب المزعوم” وتلاشى ضوؤها حتى أصبحت غير مرئية تقريباً، وهو المصير المتوقع للسحابة الجديدة أيضاً.
مشاهدة تطور النظام الشمسي في الوقت الفعلي
عندما رصد وانغ وزملاؤه البقعة الجديدة لأول مرة، أصابتهم الحيرة. يقول وانغ واصفاً تلك اللحظة: “كنا مرتبكين في البداية، وتساءلنا: ما هذا الشيء؟ هل هو حقيقي؟ استغرق الأمر بعض الوقت لربط كل خيوط الأدلة ببعضها”.
ما يميز هذه الورقة البحثية هو أنها تقدم توثيقاً لتغيرات ديناميكية في أقراص الحطام النجمية خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً. يعلق تيم بيرس، عالم الفيزياء الفلكية بجامعة وارويك البريطانية والذي لم يشارك في الدراسة، على هذا الجانب قائلاً: “لأول مرة على الإطلاق، نرى أحد هذه الأقراص يتغير بمرور الوقت”. في العادة، يراقب العلماء هياكل فلكية تبدو ثابتة طوال عمر الإنسان، لكن رصد حدثين ضخمين (الكوكب المزعوم سابقاً والسحابة الجديدة) خلال نافذة زمنية لا تتجاوز 20 عاماً يسمح للعلماء بتقدير وتيرة هذه التصادمات ووفرة الأجسام التي تدور حول النجم.
بين شيخوخة “هابل” وعنفوان “جيمس ويب”
رغم أن التلسكوبات تستطيع رصد الغبار الناتج عن التصادمات، إلا أن الكويكبات أو الكواكب القزمة نفسها تظل باهتة وباردة جداً بحيث يصعب رؤيتها مباشرة. لذا، يُعد حجم سحابة الغبار مقياساً غير مباشر لتقدير حجم الأجرام المتصادمة.
ينوي الفريق البحثي الاستمرار في مراقبة نظام “فم الحوت” لتتبع تطور سحابة الغبار. ومع ذلك، يواجه تلسكوب هابل العجوز تحديات تقنية، حيث أدى فشل أحد الجيروسكوبات الخاصة بالتوجيه في عام 2024 إلى الحد من قدرته على المراقبة المستقرة لهذا النظام. لحسن الحظ، يقف تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) مستعداً لتولي المهمة، مما يفتح نافذة جديدة لمراقبة قرص الحطام وربما -إذا حالفنا الحظ- أن نكون شهوداً على تصادمات كونية أخرى لحظة وقوعها.