
نادين النمري
عمان- رغم أن مظاهر الاحتفال بالفائزين في الانتخابات النيابية هي من الأحداث المعتادة في المجتمع الأردني، لكنها في هذا العام كانت مصدرا “للصدمة” خصوصا أنها جاءت متحدية لقرارات حكومية بفرض “حظر شامل” من جهة، فضلا عن المبالغة في المظاهر الاحتفالية وتحديدا لجهة التجمعات الكبيرة جدا والاستخدام المبالغ للأسلحة النارية بما فيها الأوتوماتيكية.
فعلى مدار يومي الثلاثاء والأربعاء عجت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بصور وفيديوهات للاختراقات لحظر التجول في مناطق مختلفة من المملكة، ووثقت تلك الفيديوهات تجمهرات بالمئات للمحتفلين، وأخرى لمواكب سيارات تحتفل بالناجحين إلى جانب ظهور السلاح كجزء رئيس من مظاهر الاحتفال العنتري يرافقه مقاطع أغان تتباهى بكسر الحظر.
ويبقى اطلاق العيارات النارية واحدة من العادات “السيئة” التي يستخدمها البعض في التعبير عن فرحهم سواء في الانتخابات أو مناسبات الزفاف أو غيرها، لكن ما وثقته الكاميرات في انتخابات 2020 فاق بكثير ما كان يتم سابقا، ففي حين كان يتم الاكتفاء بإطلاق عيارات نارية متفرقة، وثقت الفيديوهات استخدام الاسلحة الاوتوماتيكية فضلا عن توثيق فيديوهات للسماء باللون الاحمر من كثافة الأعيرة النارية.
كما وثقت الفيديوهات تواجدا كبيرا للأطفال، سواء أمام مراكز الاقتراع أو في مقار الاحتفالات، لكن الأكثر اثارة للجدل هو ظهور طفل ربما لم يتجاوز العاشرة من عمره في فيديو يطلق النار من سلاح اوتوماتيكي احتفالا بنتائج الانتخابات.
وكانت مديرية الأمن العام صرحت انه جرى ضبط والد الطفل الذي ظهر في الفيديو وبوشر التحقيق معه حيث ستتخذ بحقه الاجراءات القانونية والادارية وبما يضمن حماية الطفل وعدم تعريضه للخطر مستقبلا.
ورغم تأكيدات الأمن العام باتخاذ الاجراءات القانونية لحماية الطفل، لكن خبراء في مجال حماية الطفولة، لفتوا الى الاشكالية التي تعكسها الاحداث التي جرت خلال يومي الاقتراع وإعلان النتائج والتي بعثت برسالة مشوهة للأطفال المشاركين في تلك الاحتفالات أو أولئك الاطفال الذي شاهدوا الفيديوهات أن “كسر القوانين والنظام، هو مدعاة للتباهي والافتخار”.
وفي هذا السياق يقول الأمين العام للمجلس الوطني لشؤون الأسرة الدكتور محمد مقدادي إن ما شاهدناه من مظاهر خلال الانتخابات وبعد النتائج سواء على المحطات المحلية او الفضائيات العربية يشي بالعديد من السلبيات، اولها ان خرق القانون والمتعلق بمنع التجمعات وعدم التقيد بحظر التجول يعبر عن ان “هناك ثقافة مجتمعية لا تتقيد بالقوانين ولا تحترمها”.
وأضاف، “هناك شعور بالغبن عند الاكثرية الملتزمة وان الحظر وتطبيق القوانين يكون في مناطق معينة”، مشيرا الى أن “المظهر الأسوأ من ذلك هو مشاهدة الأطفال وممارستهم لخرق القانون والصادم أيضا مشاهدة طفل في سنوات عمره الاولى وهو يطلق النار”.
وبين مقدادي ان “السلوك الذي قد يتعلمه هؤلاء الاطفال وغيرهم ممن شاهدوا تلك المظاهر، هو ان “من السهل بل من المشجع عدم التقيد بالقوانين، خصوصا أنه في ظل طول غياب الأطفال عن مدارسهم والتي تعتبر أحد أدوات تعليم الضبط والانصياع الى القوانين والتعليمات”.
“هذا يعيدنا إلى السؤال المتكرر” يقول مقدادي: “ما هي المصلحة في إبقاء الأطفال منقطعين عن مدارسهم، في ظل ما شاهدناه من مظاهر التجمع وتعلم سلوكات سلبية في الشارع؟”.
من جانبه يقول أستاذ علم النفس السريري في الجامعة الهاشمية الدكتور جلال ضمرة إن “الحوادث التي شهدناها بعد إعلان الانتخابات “تحمل سمة المبالغة، فلم نشهد سابقا احتفالات بهذا الحجم والنوعية، ما يعطي شعورا أن هناك نوعا من التحدي للدولة”، مرجحا أنه “لو لم يكن هناك حظر لما وقعت هذه الأحداث بهذا القدر من المبالغة في التجمع واطلاق الاعيرة النارية”.
ويضيف، “لا أعتقد أن اي انتخابات سابقة شهدت هذا النوع من المبالغة بإظهار الفرح، بل ايضا وتوثيقه في التصوير دون أي اكتراث لتبعات التصوير باعتباره توثيقا للمخالفات بكسر الحظر”.
وبخصوص الفيديو الخاص بطفل يطلق الأعيرة النارية، يقول ضمرة “يحمل الفيديو انتهاكات جسيمة لحق الطفل في الحماية عبر تعريضه لخطر الموت نتيجة حمله السلاح كما ينم عن إهمال للطفل عبر تعريضه لظروف يجب ألا يتعرض لها في هذه المرحلة العمرية”.
ويتابع، “السيئ ايضا هو النموذج الذي يتلقاه الأطفال الآخرون من فيديوهات مثل هذا، وهو أن كسر القوانين والانظمة أمر محمود”.
ويعود ضمره في ذلك الى ما قاله مقدادي حول الاثر السلبي لإغلاق المدارس التي تعمل على غرس مبادئ الالتزام بالقوانين واحترام مبادئ سيادة القانون والنظام لدى الاطفال، والتي غالبا ما يتلقونها من خلال تجربة الحياة المدرسية.
من جانبها تبين المديرة التنفيذية لمجموعة القانون لحقوق الانسان “ميزان” المحامية ايفا أبو حلاوة إن “الاطفال أكبر الخاسرين في أي أزمة وجاءت جائحة كورونا بآثار مضاعفة على الأطفال”.
وتقول، “نخشى من خسارة الجهود التي بذلت للتوعية وتعزيز القيم والتعليم ونبذ العنف خاصة بعد أن فقد الأطفال بيئتهم الطبيعية في المدرسة والتي كانوا يتلقون فيها إلى جانب الدورس العلمية، السلوكيات الإيجابية، وحدث ذلك دون وجود ضمانات قانونية أو اجرائية لحماية الأطفال أثناء الجائحة، فلا توجد ضمانات لضمان تلقي جميع الأطفال التعليم، ليس فقط لعدم وجود الإمكانات المتاحة وإنما أيضا لعدم ضمان أن يلتزم الأهل بمتابعة تعليم أطفالهم والتحاقهم بالتعليم عن بعد”.
وتشير ابو حلاوة الى احتمالات ومؤشرات قوية على “ظاهرة التسرب من التعليم عن بعد لانشغال الطفل أو استغلاله أو احتمالية استغلاله على الشبكة العنكبوتية أو التحاقه بسوق العمل أو حضور المناسبات الاجتماعية أو التجمعات التي لا تؤدي إلى التأثير على صحته بل على سلوكياته أيضا والتي تجعله عرضة لخطر التعرض للعنف أو ممارسته بنفسه في فترة من حياته تتشكل فيها أفكاره وسلوكياته بما يعزز لجوءه للعنف خاصة مع غياب المدرسة التي لها دور بتعزير قيمه واتجاهاته”.
وتتساءل، “ماذا نتوقع من آثار جانبية خطيرة على الأطفال” هل وضعنا الخطط والآليات لضمان حقوق الأطفال بالعيش في بيئة خالية من العنف”، مشيرة الى أن “ما حدث أثناء الاحتفال بالانتخاب يحتاج ردة فعل حكومية وأهلية وتشكيل خلية لحماية الأطفال ولجان تقص لوضع الأطفال لضمان أنهم يتمتعون بحقهم بالغذاء والتعليم والصحة النفسية والجسدية”.