هآرتس

بقلم: تسفي برئيل

13/11/2020

يومان كاملان مرا الى أن قام الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بارسال رسالة التهنئة للرئيس الاميركي المنتخب جو بايدن. قبل بضعة ايام من ذلك اوضح مكتب اردوغان بأن الرئيس ينتظر النتائج النهائية، لكن يبدو أنه فهم بأن كل ساعة تمر ستسجل عليه وأنه رغم العلاقة المتوترة التي تطورت بينه وبين بايدن خلال سنوات، يفضل أن يبتلع الحبة المرة وأن يرسل التهنئة لمن اعتبره في السابق حاكم مستبد.
في الملف الشخصي الذي أعدته المخابرات التركية عن بايدن لن تختفي بالتأكيد أحد التغريدات التي نشرها بايدن في حملته الانتخابية التي كتب فيها أنه “خلافا للرئيس ترامب أنا اعرف كيف يجب ادارة مفاوضات مع اردوغان. ولو كنت رئيس لكنت جعلت اردوغان يدفع ثمنا باهظا مقابل ما فعله”. اردوغان لم يتأثر.
قبل اسبوع على الانتخابات وعندما ثارت امكانية فرض عقوبات على تركيا بسبب شراء انظمة صواريخ روسية مضادة للطائرات من نوع “اس 400” قال اردوغان في لقاء مع زعماء حزبه بأن “الولايات المتحدة لا تعرف من الذي تتعامل معه. لقد سبق وقاموا بفرض عقوبات”. بايدن الذي كان مسؤولا من قبل الرئيس اوباما عن العلاقة مع تركيا يعرف جيدا مع من يجب أن يتعامل. ومساعدوه الذين يتوقع أن يشغلوا وظائف كبيرة في ادارته الجديدة نشروا في السنوات الاخيرة مقالات انتقدوا فيها بشدة الرئيس التركي.
سوزان رايس التي كانت مستشارة الامن القومي والمرشحة لمنصب وزيرة الخارجية، وصفت اردوغان بـ”الذئب الجائع”. انطوني بلنكن المرشح لأن يكون مستشار الامن القومي، نشر مقالا يوصي فيه الادارة الاميركية بمساعدة الاكراد في سورية الذين يحاربهم اردوغان. مايكل كربنتر، مدير مركز بايدن للدبلوماسية والتدخل الدولي، قال في محاضرة ألقاها بواسطة الزوم بأن “سياسة تركيا في المنطقة تقتضي الكثير من الاهتمام… سواء كان هذا في قضية الصواريخ أو ليبيا أو تدخل تركيا في نغورنو كرباخ، هذه ليست خطوات لحليف… تركيا تعمل بصورة وحشية وغير مسؤولة وتسعى الى تقويض ما نعتبره مصالح مشتركة”. يمكن في الواقع الادعاء بأن ما قيل قبل الانتخابات لن يشبه ما سيقال بعدها. ولكن هذه ليست مواقف صيغت لصالح حملة انتخابية، بل اتخذت كجزء من سياسة وضعت حتى في عهد اوباما.
المواضيع الرئيسة التي اشعلت شبكة العلاقات المتوترة بين تركيا وادارة ترامب ما تزال على حالها. وفي نغورنو كرباخ تم في الواقع التوصل الى وقف لإطلاق النار بالأساس بفضل لي الأذرع الذي استخدمه الرئيس الروسي فلادمير بوتين على اردوغان. ولكنها لم تحل اسباب النزاع، وهي لم تحل ايضا مسألة الصواريخ الروسية وتدخل تركيا العسكري في سورية وحربها ضد الاكراد والتي ستستمر في اشغال ادارة بايدن.
بايدن الذي عارض بشدة سحب القوات الاميركية من سورية (التي لم تخرج في النهاية الى حيز التنفيذ)، هو مؤيد مخلص للاكراد ويعتبرهم حليف ليس فقط في محاربة داعش، بل كمن يستحقون حقوق مواطن متساوية في سورية. في مقابلة اجراها مظلم عبادي (كوباني)، قائد قوات سورية الديمقراطية (المليشيا الكردية التي شكلت على يد الادارة الاميركية باندماج مع مليشيات عربية كغطاء للدعم الذي يحصل عليه الاكراد من الولايات المتحدة)، مع موقع “المراقب”، اظهر التفاؤل والامل في أن ادارة بايدن ستتمسك بسياسة دعم الاكراد وبالاساس ستزيد من حجم القوات الاميركية في سورية. علاقاتنا العسكرية مع الادارة الاميركية ممتازة، لكن العلاقات السياسية لم تصل بعد الى المستوى المطلوب”، قال.
عبادي يرمز بذلك الى الدعم الذي حصل عليه اردوغان من الرئيس ترامب، والى أن الولايات المتحدة خضعت لمعارضة الاتراك لاشراك الاكراد في الخطوات السياسية التي تجري حول الحل السياسي. الجزء المهم والجديد في المقابلة يتعلق بإمكانية أن الاكراد في سورية يعتبرون رئاسة ترامب فرصة لعقد سلام بينهم وبين تركيا. عبادي اقترح التوسط بين تركيا وبين حزب العمال الكردي الذي تدير تركيا ضده حرب دموية، “اذا غيرت تركيا سياستها تجاه الاقليم الكردي في سورية).
هذه الآن اقوال نظرية. وليس من الواضح هل اردوغان نفسه مستعد لاستئناف المفاوضات مع الاكراد وبأي شروط، وهو ايضا صرح مؤخرا مرة اخرى ضد سياسة دعم الولايات المتحدة للاكراد، لكن اذا كان حل مسألة الاكراد سيساعده في تصحيح الاوضاع مع بايدن فربما هو ايضا سيرى هنا فرصة، خاصة على خلفية المحادثات التي تجريها الفصائل الكردية في سورية مع قيادة الاكراد في العراق حول مسألة تقييد نشاطات مقاتلي حزب العمال الكردي.
عصا تركية
العلاقة المستقبلية لأردوغان مع ادارة بايدن مرتبطة جدا بالازمات والتحديات التي يواجهها في الداخل. استطلاع اجراه مؤخرا معهد ميتروبول في تركيا يشير الى أنه لو اجريت انتخابات للبرلمان اليوم فإن حزب اردوغان (حزب العدالة والتنمية) كان سيحصل فقط على 28.5 في المائة. الحزب المعارض الاكبر، “حزب الشعب الجمهوري” كان سيحصل على 17 في المائة، في حين أن الاحزاب التي انشئت من قبل شخصيات كبيرة انسحبت من الحزب الحاكم مثل علي بابجان الذي كان وزيرا للمالية، واحمد دبوتولو الذي كان وزير الخارجية، كانت ستحصل فقط على 1.5 في المائة و0.9 في المائة على التوالي. الاستطلاع يشير الى أن حزب العدالة والتنمية سيبقى الحزب الاكبر، لكن فرصه لتشكيل حكومة بدون تحالف هي احتمالية اقل بكثير مما كان في السابق. اذا تواصلت هذه المعطيات حتى في العام 2023 التي ستجري فيها الانتخابات للبرلمان وللرئاسة، فان احتكار اردوغان السياسي يمكن أن يتصدع.
السبب المباشر لفقدان شعبية حزب السلطة يكمن في الازمة الاقتصادية العميقة وفي انخفاض سعر الليرة التركية ونسبة البطالة التي وجدت حتى قبل كورونا وبالأساس بعدها، والتي أدت بنحو 9.6 مليون تركي الى فقدان اماكن عملهم الى تقليص دراماتيكي في الاستثمارات الاجنبية في تركيا. اردوغان فهم أنه يجب عليه اتخاذ عدد من الخطوات المناسبة. في يوم السبت الماضي قام بإقالة قريبه محافظ البنك المركزي، وعين بدلا منه من كان وزير المواصلات والتطوير السابق ناجي آفل. وفي المقابل استقال من الحكومة وزير المالية برات البيرق، صهر أردوغان، لأسباب صحية. وبدلا منه تم تعيين لطفي الفان الذي كان في السابق نائب رئيس الحكومة.
أوروبا هي حقا مهددة من قبل اردوغان بسبب اتفاق اللاجئين الذي وقعته معه والذي من شأن خرقه أن يغرقها بملايين اللاجئين، لكنها ايضا تمسك بيدها سوط اقتصادي ثقيل على هيئة عقوبات اقتصادية تدرس فرضها على تركيا، بالأساس بسبب التنقيب عن الغاز الذي تقوم به تركيا في شرق البحر المتوسط وفي مناطق تدعي اليابان ملكيتها لها. ترامب منع بدرجة كبيرة نية اوروبا لفرض هذه العقوبات. وبايدن في المقابل يمكن أن يبدو كرئيس يتحدث بلطف ويمسك عصا كبيرة في يده، عصا اوروبية.