Table of Contents
قد يبدو الأمر مفارقة صارخة، لكن حتى سادة الصحراء الذين تطورت أجسادهم لمقاومة أقسى الظروف البيئية، باتوا يواجهون اليوم خصماً لا قبل لهم به. “الوحش غيلا” (Gila monster)، تلك السحلية الأيقونية ذات الألوان البرتقالية والسوداء التي تجوب صحراء موهافي، تجد نفسها اليوم في سباق غير متكافئ مع الزمن والحرارة. فبينما يعيد التغير المناخي رسم خريطة الصحراء، تشير أحدث الأبحاث العلمية إلى أن هذه الزواحف السامة قد تكون أبطأ من أن تنجو بنفسها، عالقةً في بيئات تتحول تدريجياً إلى أفران لا تُطاق.
عندما تصبح الصحراء جحيماً لسكانها
لطالما ارتبط اسم “الوحش غيلا”، المعروف علمياً باسم (Heloderma suspectum)، بصورة الصلابة والقدرة على البقاء. فهذه الكائنات ليست مجرد زواحف عادية؛ بل هي واحدة من السحالي القليلة السامة في العالم، وقد ساهمت دراسة سمومها بشكل مباشر في تطوير عقاقير حديثة لعلاج مرض السكري، نظراً لتشابه أحد مركبات سمها مع هرمونات بشرية معينة. ومع ذلك، فإن هذه الأهمية الطبية والبيئية لم تشفع لها أمام زحف الاحتباس الحراري.
في دراسة نُشرت في دورية “إيكولوجي آند إيفوليوشن” (Ecology and Evolution)، قام الباحث ستيف هرومادا وفريقه برسم سيناريوهات مستقبلية لمصير هذه الكائنات في صحراء موهافي. النتائج كانت مقلقة؛ ففي ظل سيناريوهات الانبعاثات الكربونية المرتفعة، قد تتلاشى مساحات شاسعة من الموائل المثالية لهذه السحالي بحلول عام 2082. ويقدر الباحثون أن هذه الكائنات قد تخسر أكثر من ثلث أراضيها الصالحة للعيش حالياً، مما يضعها أمام خطر وجودي حقيقي.
وهم “النزوح” إلى المرتفعات
نظرياً، قد يبدو الحل بسيطاً: إذا ارتفعت حرارة الوديان، فلماذا لا تنتقل السحالي إلى الجبال الأكثر برودة؟ الواقع البيولوجي لهذه الكائنات أكثر تعقيداً. يوضح كريس وايلد، عالم الفيزيولوجيا البيئية في جامعة ملبورن الأسترالية، أن “وحوش غيلا” كائنات تفضل درجات الحرارة المعتدلة نسبياً داخل بيئتها الصحراوية. إنها تقضي معظم وقتها مختبئة في الجحور أو تنشط ليلاً لتجنب قيظ الظهيرة.
أظهرت المحاكاة الحاسوبية التي أجراها الباحثون أن المناطق المنخفضة ستصبح قاسية جداً من الناحية الحرارية. وفي المقابل، قد تتحول بعض المناطق الجبلية إلى ملاذات مناسبة. لكن المشكلة تكمن في “القدرة على الوصول”. تشير البيانات التي جمعها هرومادا – عبر تتبع 62 سحلية بأجهزة إرسال لاسلكية – إلى أن هذه الكائنات منزلية بامتياز، ونادراً ما تغامر بالابتعاد عن نطاقها الجغرافي المألوف لمسافات تتجاوز الكيلومترات.
حواجز طبيعية وسلاسل غذائية مهددة
لا تتوقف المعضلة عند بطء حركة هذه الزواحف فحسب، بل إن التضاريس الوعرة وقلة الغطاء النباتي تشكل حواجز طبيعية تمنعها من الهجرة نحو المناطق الجبلية “الموعودة”. يقول هرومادا بوضوح: “من غير المرجح أن نرى انتقالاً وتسيساً لمجموعات سكانية جديدة في تلك المناطق، ببساطة لأنها بعيدة جداً عن أماكن تواجدها الحالي”. هذا يعني أن سيناريوهات الانبعاثات العالية قد تكون كارثية، حيث ستظل السحالي محاصرة في جيوب حرارية تضيق عليها يوماً بعد يوم.
وحتى لو افترضنا جدلاً وصولها إلى موائل جديدة، فإن التغير المناخي يحمل في طياته تهديداً آخر: الغذاء. تعتمد وحوش غيلا في غذائها بشكل أساسي على صغار وبيض حيوانات صحراوية أخرى. يتساءل هرومادا: “لنفترض أنه عام جفاف.. كم عدد الأرانب التي ستتكاثر؟ وكم عدد طيور السمان التي ستضع بيضها؟ وهل سيكون ذلك كافياً لتغذية وحش غيلا؟”. إن سلامة النظام البيئي ككل هي شرط أساسي لبقاء هذا النوع، وليس فقط درجات الحرارة المناسبة.
بارقة أمل في الأراضي المحمية
رغم قتامة الصورة، هناك نقطة مضيئة قد تكون طوق النجاة الأخير. فقد وجد الباحثون أن أكثر من 90% من الموائل الحالية والمستقبلية المتوقعة لوحوش غيلا في صحراء موهافي تقع ضمن أراضٍ عامة تتمتع بوضع حماية فيدرالي أو محلي. هذا يعني أن التدخل البشري المباشر (مثل البناء والتطوير العمراني) قد يكون محدوداً في تلك المناطق مقارنة بغيرها.
ويؤكد الخبراء أن الحفاظ على الوضع المحمي لهذه الأراضي – سواء كانت حدائق وطنية أو مناطق حماية طبيعية – يعد أمراً حاسماً. هذه المناطق قد تتحول في المستقبل إلى “حصون بيئية” تحمي ما تبقى من هذه السحالي الفريدة، مما يمنحنا فرصة أخيرة لمحاولة التخفيف من آثار ما صنعته أيدينا بالمناخ العالمي.